دراسات وبحوث
نسخة pdf

الإمارات خمسون عاماً من التأسيس... دور متزايد وحقوق منقوصة

الإمارات خمسون عاماً من التأسيس...

دور متزايد وحقوق منقوصة

 

تمر الذكرى الخمسون على إعلان الإمارات العربية المتحدة وسط متغيرات وتحديات عديدة، فالإمارات لم تعد تلك الدولة البسيطة في مواقفها ورؤاها، بل أصبحت أكثر تعقيداً في علاقاتها واستراتيجيتها، فثمة تحولات كثيرة حدثت، وبالرغم من النمو المتزايد للإمارات في كافة المجالات حتى باتت دولة أنموذج في التطور والرقي ورفاهية المواطنين، وكذلك تنامي دورها الإقليمي، إلا أنها في المقابل تفتقد إلى حياة دستورية وتشريعية كاملة.

فتتسم الإمارات بنظام سياسي مغلق، فلا انتخابات ولا أحزاب سياسية. ويقوم رئيس الدولة بتعيين رئيسَ الوزراء والوزراء الذين يديرون الشؤون اليومية للبلاد. ويتم تعيين نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي الأربعين وانتخاب النصف الآخر من خلال هيئة انتخابية يختار حكام الإمارات السبعة أعضاءها كل أربع سنوات، علماً بأن المجلس يحظى بصلاحية استشارية فقط.

ويعتبر تأسيس الأحزاب السياسية محظوراً في الإمارات العربية المتحدة، كما أن حقوق الاجتماع والتنظيم محدودة. كما أن المنظمات غير الحكومية المستقلة محظورة، وتعتبر النقابات العمالية غير قانونية، في حين تبقى مؤسسات حقوق الإنسان شكلية وغير فاعلة وتابعة لجهاز الأمن والحكومة.

وتسعى هذه الدراسة إلى الإجابة على سؤال كيف تعاملت الدولة مع التغيير والإصلاح السياسي؟ وما واقع الحقوق المدنية والسياسية داخل الدولة؟! 

من خلال النقاط التالية:

  • الدستور الإماراتي والحقوق المدنية والسياسية
  • طبيعة النظام السياسي الإماراتي وتطوراته
  • فعالية المؤسسات الدستورية والتشريعية في الدولة
  • مفهوم الإصلاح السياسي وكيف تراه الأنظمة؟
  • هل يوجد مجتمع مدني مستقل عن الدولة في الإمارات؟
  • كيف يؤثر نموذج الاقتصاد الريعي على قدرتها على الهيمنة الاقتصادية والسياسية على المجتمع؟
  • كيف تصدت الدولة لدعوات التغيير منذ ٢٠١١، حتى الآن.
  • مدى قدرة الدولة على تجاهل دعوات التغيير والإصلاح.

المبحث الأول: الدستور الإماراتي والحقوق المدنية والسياسية

يٌعد الدستور أهم وثيقة في الدولة يقوم على تحديد القواعد الأساسية لشكل الدولة، ونظام حكمها، وشكل حكومته، وتنظيم سلطاته العامة، كما تنظم الحقوق والواجبات وترسم العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وكان المفترض من الدستور الإماراتي سواء المؤقت عام 1971 أو الدائم 1996 أن يكون على شاكلة الدساتير الأخرى، يلتزم بالأطر الدستورية في تنظيم هذه القواعد، ولكنه جاء مفتقداً إلى معايير عدة أبرزها الفصل بين السلطات، وتنظيم الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين بشكل واضح ومحدد، فسيطرت السلطة التنفيذية على باقي السلطات الأخرى في الدولة، كما همشت المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني وجمعيات النفع العام وأخضعتها تحت السيطرة المطلقة للسلطة التنفيذية.

المطلب الأول: نشأة الإمارات والعقد الاجتماعي

تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971 كدولة اتحادية تتكون من اتحاد سبع إمارات وهي ابوظبي، دبي، الشارقة، عجمان، أم القيوين، رأس الخيمة والفجيرة، وذلك بعد فشل الاتحاد التساعي بمشاركة (قطر والبحرين).

ويرى بعض الباحثين أن نشأة الاتحاد كانت تطبيق لنظرية العقد الاجتماعي وتحديداً فيما يتعلق بالتعاقد بين الحاكم والمحكومين لتحقيق مصالح الطرفين والمتمثلة بتحقيق الاستقرار وحماية مصالحهم، مقابل التنازل عن بعض المصالح الفردية مقابل المصلحة الجماعية.

فيما يرى البعض الآخر-وهو الأرجح-أن تشكيل الاتحاد لم يعبر عن نظرية العقد الاجتماعي، وإنما كان توافق مصالح فقط بين حكام الإمارات السبع، فالأساس في العقد الاجتماعي هو توافق مجتمعي وشعبي، وهو مالم يتم في حالة اتحاد دولة الإمارات، ويبدو هذا بوضوح في الدستور الذي تم وضعه، فلم ينص على أي مشاركة شعبية حقيقية في إدارة الاتحاد.

ويشكل العقد الاجتماعي، أساساً مرجعياً لجميع الحقوق والواجبات التي تنظم شؤون الحياة العامة، وبذلك يصبح العقد حلاً توفيقياً بين الإرادة العامة للجماعة والإرادة الفردية؛ للحد من التنافس والتصارع بين المصالح الشخصية التي تشكل تهديداً لاستقرار المجتمع. فالعقد الاجتماعي في المجمل هو مجموع الاتفاقيات الأساسية في الحياة الاجتماعية وبمقتضاها يضع الإنسان قواه تحت إرادة المجتمع؛ بحثاً عن تحقيق الاستقرار وحماية لمصالحه، وذلك تجنباً للصراعات والنزاعات التي تشكل تهديداً لتلك المصالح[1].

ويرى المفكر جان جاك روسو، "أن الرغبة في الوحدة هي التي أدت إلى هذا العقد الاجتماعي، والمقصود بالوحدة هي وحدة الجسم الاجتماعي، أي تبعية المصالح الخاصة للمصلحة العامة، بحيث يتحد كل شخص مع الكل بموجب العقد، والعقد معقود مع المجموعة، وبناء على ما سبق، نجد أن الحاكم لا يتقيد بأي شيء؛ لأنه ليس طرفاً في العملية، ومن جهة أخرى لا يمكن أن تكون هناك مصلحة منافية لمصلحة الأفراد الذين يشكّلون هذا الكل، والحاكم هنا هو هذه الإرادة العامة التي هي إرادة المجموعة لا إرادة الأعضاء الذين يؤلفون هذه المجموعة"[2].

وهذا يتنافى تماما مع الحالة الإماراتية، التي تسيطر فيها الدولة على كافة المؤسسات، ولا يوجد بها أي مساحة من المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمواطنين والدولة.

وقبل تناول تطور الحقوق المدنية والسياسية للمواطن الإماراتي خلال الخمسين عاماً الماضية، من الأهمية التعريف بماهية الحقوق السياسية والمدنية والتي يكتسبها الفرد بكونه إنسان.

المطلب الثاني: مفهوم الحقوق المدنية والسياسية

يعرف الباحثون حقوق الإنسان بأنها مجموعة الحقوق التي يتمتع بها الإنسان بوصـفه إنسانا، هذا التعريف يجد سنده فيما نصت عليه المادة الأولى من الإعـلان العـالمي لحقـوق الإنسان بقولها " يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم البعض بروح الإخاء"[3].

كما نصت أيضاً على المادة الثانية من الإعلان التي تقرر أن " لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أي نوع ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغـة أو الـدين أو الرأي سياسيا وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر "[4].

والحقوق المدنية والسياسية هي فئة من الحقوق التي تحمي حرية الأفراد من التعدي من قبل الحكومات والمنظمات الاجتماعية والأفراد، والتي تضمن قدرة الفرد على المشاركة في الحياة المدنية والسياسية للمجتمع والدولة دون تمييز أو اضطهاد.

وقد اعتمد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 2200A (الحادي والعشرون) في 16 ديسمبر/كانون الأول عام 1966، ودخلت حيز النفاذ في 23 مارس/أذار 1976.

يمكن تصنيف الحقوق إلى ثلاث فئات:

1-الحقوق المدنية والسياسية (وتسمى أيضاً " الجيل الأول من الحقوق ")، وهـي مرتبطـة بالحريات، وتشمل: الحق في الحياة والحرية والأمن؛ وعـدم التعـرض للتعذيب والتحرر من العبودية؛ المشاركة السياسية وحرية الرأي والتعبيـر والتفكيـر والضمير والدين؛ وحرية الاشتراك في الجمعيات والتجمع.

2-الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (وتسمى أيضاً " الجيل الثاني مـن الحقـوق ")، وهـي مرتبطة بالأمن وتشمل: العمل والتعليم والمستوى اللائق للمعيشة؛ والمأكل والمـأوى والرعاية الصحية.

3-الحقوق البيئية والثقافية والتنموية (وتسمى أيضاً " الجيل الثالث من الحقوق ")، وتشـمل حق العيش في بيئة نظيفة ومصونة من التدمير؛ والحق في التنمية الثقافية والسياسـية والاقتصادية[5].

 ويرى الفقهاء الدستوريين أن هذه الحقوق هي بذاتها مصدر الشرعية للنظام السياسي، فإذا أصدرت الدولة الوطنية تشريعا ينتهك حقوق الإنسان لمواطنيها بأن يحرمهم من حرياتهم الطبيعية مثلا أو يميز بينهم بسبب الدين أو الأصل أو اللغة أو العرق كان هذا القانون عاريا من الشرعية القانونية وكانت الدولة التي أصدرته عارية من الشرعية السياسية[6]

المطلب الثالث: الدستور الإماراتي والحقوق المدنية والسياسية

يعود نشأة الدستور الإماراتي لتاريخ الثاني من شهر  ديسمبر/كانون الأول من عام 1971م، حيث تم تأسيس هذا الدستور منذ قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد تم تحويله لدستور دائم في عام 1996م، ويحدد الدستور القواعد الأساسية في الدولة، بما في ذلك التشريعات والقوانين السياسية، والتشريعية، والتنفيذية، بالإضافة إلى كون هذا الدستور يؤكّد على الحفاظ على الحقوق، والحريات، والواجبات العامة للمواطنين، وبالرغم من حرص المشرع على إدماج الحقوق المدنية في الدستور إلا أنه لم يلتزم بآليات تطبيقها والحفاظ عليها من تغول السلطة التنفيذية.

أولاً: النصوص الدستورية

يتضمن الدستور الإماراتي 152مادة، توضح مقومات الاتحاد، وحقوق المواطنين، وحازت مواد الحريات والحقوق والواجبات العامة 19 مادة من المادة 25 إلى المادة 44 والتي خصص لها الباب الثالث من الدستور.

ويكفل الدستور حقوق الإنسان الأساسية بما في ذلك مبدأ المساواة أمام القانون (المادة 25)، والحرية الشخصية (المادة 26)، وسيادة القانون (المادة 27)، وافتراض البراءة، والمحاكمة العادلة، وعدم إساءة المعاملة (المادة 28)، وتنص المواد من 29 إلى 34 على حرية التنقل، وحرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير، وحرية المراسلات البريدية والبرقية وغيرها من وسائل الاتصال، وحرية القيام بشعائر الدين، وحرية الاجتماع، وتكوين الجمعيات، كما أن كل مواطن حر في اختيار عمله أو مهنته أو حرفته، ولا يجوز فرض عمل إجباري على أحد إلا في الأحوال الاستثنائية التي ينص عليها القانون، ولا يجوز استعباد أي إنسان، كما يؤكد الدستور على أن باب الوظائف العامة مفتوح لجميع المواطنين، على أساس المساواة بينهم في الظروف، وفقا لأحكام القانون (المادة 35).

كما تنص (المادة 21) على حماية الدولة للملكيات العامة، والقيود التي ترد عليها، وعدم نزعها إلا في الأحوال التي تستلزمها المنفعة العامة، وفقاً لأحكام القانون، ومقابل تعويض عادل، كما تنص (المادة 24) على أن الاقتصاد الوطني لدولة الإمارات أساسه العدالة الاجتماعية، والتعاون الصادق بين النشاط العام والخاص، وهدفه التنمية الاقتصادية، ورفع مستوى المعيشة والرخاء.

ثانياً: المعاهدات الدولية

صادقت الإمارات على عدد من الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، كما صادقت على الميثاق العربي لحقوق الإنسان، وبالرغم من المصادقة على هذه الاتفاقيات إلا أنها تحفظت على بعض بنودها، مثل تحفظها على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، فقد تحفظت بالملاحظة التالية" العقوبات القانونية المطبقة بموجب القانون الوطني أو الألم أو المعاناة الناشئة عن هذه العقوبات المشروعة أو المرتبطة بها أو العرضية لها لا تقع ضمن مفهوم "التعذيب" ومن الملاحظ أنها لم تصادق على كافة البروتوكولات[7] المتعلقة بهذه الاتفاقيات[8].

ولكن في المقابل تُعد الإمارات من بين الدول القلائل في العالم التي لم تصادق على معاهدات رئيسية أخرى معنية بحقوق الإنسان، لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ونظيره الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما لم تنضم الإمارات إلى مجموعة الدول الأطراف في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وغني عن القول إن العديد من مواد العهدين وأحكامهما مستمدة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 والذي حظي منذ ذلك التاريخ بإجماع شبه عالمي وأصبح مع الوقت جزءا من القانون العرفي الدولي بما يجعله ملزما للدول كافة.

ولا ينص الدستور صراحة على حظر تشكيل الأحزاب السياسية، ولكن قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية يحذر في المادة 16 من "التدخل في السياسة أو في الأمور التي تمس أمن الدولة ونظام الحكم فيها"[9]

وتتمثل الإشكالية الكبرى في الدستور الإماراتي أنه دستور جامـد ومـدون صدر في صورة منحة من حكام الإمارات إلى شعبها، ويتمثل جمود دستور دولة الإمارات في أمرين هما:

الأول: أن اقتراح تعديل الدستور يدخل في اختصاص المجلس الأعلى للاتحـاد "المـادة ١٤٢،"، أما اقتراح تعديل القوانين العادية فهو من اختصاص مجلس الـوزراء الذي يختص باقتراح مشروعات القوانين الاتحادية وإحالتها إلى المجلس الوطني الاتحادي قبـل رفعها إلى رئيس الاتحاد لعرضها على المجلس الأعلى للتصديق عليها "المادة ٦٠."

الثاني: اشتراط أغلبية خاصة للموافقة على اقتراح التعديل، فقد قررت المادة ١٤٤ فـي الفقرة "ج" منها أنه يشترط لإقرار المجلس الوطني الاتحادي مشروع التعديل الدستوري موافقـة ثلثي الأصوات للأعضاء الحاضرين[10].

من الناحية النظرية، فإن حقوق الإنسان والحريات الشخصية في دولة الإمارات العربية المتحدة مصانة دستورياً، فالدستور والقوانين تنصّ على الحريات الأساسية وتتعهد بنظام ديمقراطي، ولكن الواقع يشير إلى غير ذلك.

فبالرغم من هذه النصوص الدستورية التي تكفل الحريات السياسية والمدنية للمواطنين الإماراتيين، إلا أنه خلال الخمسين عاماً الماضية لم يطرأ أي تقدم في التوسع في مجال الحريات أو المشاركة السياسية، بل وعلى العكس من ذلك شهدت الحقوق المدنية والسياسية تراجعاً كبيراً، ففرضت الدولة المزيد من القيود على الحريات الشخصية، ناهيك عن الحريات السياسية.

ويمكن القول "إن خطوات الإصلاح الدستوري بالإمارات كانت الأضعف من بين دول الخليج بحكم وضعها الاتحادي، فضلا عن كثرة الخلافات ما بين حكام بين الإمارات السبع"[11].

المبحث الثاني: طبيعة النظام السياسي الإماراتي وتطوراته

تأسست الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971 كدولة اتحادية تتكون من اتحاد سبع إمارات وهي ابوظبي، دبي، الشارقة، عجمان، أم القيوين، رأس الخيمة والفجيرة، وحدد دستور الإمارات العربية المتحدة أهداف ومقومات الاتحاد.

واستطاعت الدولة الحديثة زمنياً، تحقيق عدد من الإنجازات الضخمة على الصعيد الداخلي والخارجي، ولكن الأهم من كل هذه الإنجازات هو بقاء الدولة الاتحادية متماسكة حتى الآن، وتجاوزها نقاط الخلاف، وبناء هوية وطنية وقومية نابعة من الانتماء للدولة وليس القبيلة، وإن كان تفاوت الإمارات وقدراتها المادية والتأثيرية قد تكون عامل ضعف مستقبلاً ينخر في جذور الاتحاد.

ولكن وبعد مرور خمسون عاما على تجربة الإمارات العربية المتحدة، يرى بعض الباحثين أن هذه التجربة كانت متميزة في العقود الأولى من نشأتها، ولكن في العقد الأخير تعرضت إلى تحديات عدة في مقدمتها، الاختلال السكاني الملحوظ الذي أثر بشكل أو بآخر على الخلفية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للمواطنين الأصليين، والذي أصبح يهدد الأمن ربما على الصعيد المستقبلي، مع تزايد التحديات الخارجية المتمثلة بالتهديد الايراني للإمارات لفرض هيمنته الإقليمية على الخليج العربي والتغييرات في المنطقة العربية بعد العام ٢٠١١.

بالرغم من مرور خمسون عاما على نشأة الاتحاد والتطور الكبير الذي نشأ في ملفات عديدة وتطور شكل الدولة والوزارات من حيث التطور الإداري والتكنولوجي والخدمات وغيرها إلا أن شكل إدارة الدولة استمر خلال الخمسين عاما كما هو وحتى عندما تم تحويل الدستور من مؤقت الى دائم لم يطرأ أي تغييرات جوهرية على النظام السياسي وعندما تم زيادة اختصاصات المجلس الوطني وآلية تشكيلة كان محدودا للغاية، ووفق نفس الآلية وهي سيطرة المجلس الأعلى للاتحاد على تشكيلة المجلس.

وربما يرجع ذلك إلى صعوبة إقرار أي تعديلات بين إمارات الاتحاد، التي تزامنت مع رغبة القيادات في تحجيم أي تغييرات في النظام السياسي، فلم تشهد الدولة أي تغييرات جذرية، إلا في فرض المزيد من هيمنة الدولة وتحجيم المشاركة السياسية وضبطها بإطار واحد تحت سيطرة المجلس الأعلى للاتحاد.

المطلب الأول: مكونات النظام السياسي

 النظام السياسي في دولة الإمارات هو نظام وراثي، إذ إن الحكم في الإمارات قائم على النمط المشيخي الأميري، وفي هذا النظام تحكم عائلة واحدة كل إمارة من الإمارات السبع، فأسرة آل نهيان هي الأسرة الحاكمة في إمارة أبو ظبي، وأسرة آل مكتوم هي الأسرة الحاكمة في إمارة دبي، وأسرة القاسمي هي الأسرة الحاكمة في الشارقة، وفخذ آخر منها يحكم إمارة رأس الخيمة، وأسرة النعيمي هي الحاكمة في عجمان، وأسرة المعلا هي الحاكمة في أم القيوين، فيما تحكم أسرة الشرقي في إمارة الفجيرة، وتتم عملية تداول السلطة بالوراثة بين أفراد الأسرة ذاتها في كل إمارة، وغالبا ما يكون الابن الأكبر للحاكم هو ولي عهد الإمارة، إلا إذا ما أراد الحاكم غير ذلك، فيحق له تعيين ولي عهده من أي من أبنائه أو إخوته أو أقاربه، كما حدث في دبي عندما عين الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم حاكم دبي في يناير من العام ١٩٩٥أخاه الأصغر الشيخ " محمد بن راشد آل مكتوم ولياً للعهد بدلاً من أخيه الذي يليه في الترتيب الشيخ" حمدان بن راشد آل مكتوم" الذي عُين نائبا للحاكم، وكما حدث في أبو ظبي عندما عين الشيخ " زايد بن سلطان آل نهيان" حاكم الإمارة في العام ٢٠٠٣ ابنه الثالث في الترتيب الشيخ " محمد نائبا لولي العهد في أبو ظبي، وأصبح الشيخ محمد فيما بعد ولياً للعهد في حكم أخيه الشيخ " خليفة بن زايد آل نهيان.

المؤسسات الدستورية

نص الدستور على تقسيم الصلاحيات بين السلطات الاتحادية والسلطات المحلية حيث حصرت المادة (120) من الدستور اختصاصات السلطات الاتحادية في التشريع والتنفيذ، وحددت المادة (121) من الدستور الاختصاصات التي تنفرد بها السلطات الاتحادية ناحية التشريع، أما ماعدا هذه الاختصاصات فتتولاه الإمارات الأعضاء.

وتتكون السلطات الاتحادية من:

المجلس الأعلى للاتحاد: نظم الدستور عمل المجلس الأعلى للاتحاد في خمسة مواد، من المادة 46إلى 50، وهو السلطة العليا في الدولة، يتشكل من حكام جميع الإمارات المكونة للاتحاد، أو من يقوم مقامهم في إماراتهم، في حال غيابهم، ولكل إمارة صوت واحد في مداولات المجلس، ويقوم المجلس الأعلى للاتحاد برسم السياسة العامة في الدولة، والنظر في كل ما من شأنه أن يحقق أهداف الاتحاد والمصالح المشتركة للإمارات الأعضاء.

رئيس الاتحاد ونائبه: نظم الدستور عمل رئيس الاتحاد ونائبه في أربعة مواد من المادة51إلى 54، وينتخب المجلس الأعلى للاتحاد، من بين أعضائه، رئيساً للاتحاد ونائباً للرئيس، ويمارس رئيس الاتحاد بموجب الدستور عددا من الاختصاصات أهمها: رئاسة المجلس الأعلى للاتحاد وإدارة مناقشاته، توقيع القوانين والمراسيم والقرارات الاتحادية التي يصادق عليها المجلس الأعلى ويصدرها، تعيين رئيس مجلس وزراء الاتحاد ونائب رئيس مجلس وزراء الاتحاد والوزراء ويقبل استقالاتهم ويعفيهم من مناصبهم بناءً على اقتراح رئيس مجلس وزراء الاتحاد ويمارس نائب رئيس الاتحاد جميع اختصاصات الرئيس عند غيابه لأي سبب من الأسباب.

مجلس وزراء الاتحاد: نظم الدستور عمل مجلس الوزراء الاتحادي في 13 مادة من المادة 55 إلى 67، و يتكون مجلس وزراء الاتحاد من رئيس مجلس الوزراء ونائبه وعدد من الوزراء، ويتولى مجلس الوزراء  بوصفه الهيئة التنفيذية للاتحاد وتحت الرقابة العليا لرئيس الاتحاد وللمجلس الأعلى، تصريف جميع الشئون الداخلية والخارجية التي يختص بها الاتحاد بموجب الدستور والقوانين الاتحادية، حيث يمارس بوجه خاص عدداً من الاختصاصات ومن أهمها، متابعة تنفيذ السياسة العامة لحكومة الاتحاد في الداخل والخارج، اقتراح مشاريع القوانين الاتحادية وإحالتها إلى المجلس الوطني الاتحادي، إعداد مشروع الميزانية الاتحادية والإشراف على تنفيذ القوانين والقرارات الاتحادية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المنضمة لها الدولة.

المجلس الوطني الاتحادي: نظم الدستور عمل وخصائص المجلس الوطني الاتحادي في 26 مادة من المادة 68 إلى 93، ولم يحدد الدستور من يتولى السلطة التشريعية، وذلك على خلاف ما تفعله الدساتير عادة، ورغم خلوه من نص صريح يحدد الجهة التـي تتولى السلطة التشريعية، إلا أنه بالمقارنة بالتجارب المشابهة نستطيع أن ندرك أن المجلس الوطني هو ما يعادل السلطة التشريعية في الدول الأخرى، وهو المجلس الذي من المفترض أنه يمثل شعب الاتحاد.

يتشكل من 40 عضوا من الإمارات الأعضاء موزعة كما يلي: أبوظبي 8 مقاعد، دبي 8، الشارقة 6، رأس الخيمة 6، عجمان 4، أم القيوين 4، الفجيرة 4، ويجمع المجلس الوطني الاتحادي في تشكيله بين طريقتي الانتخاب والتعيين منذ 2009، حيث يتم اختيار نصف عدد أعضاء المجلس الوطني الاتحادي عن طريق الانتخاب، بينما يتم تعيين النصف الآخر من جانب أصحاب السمو حكام الإمارات؛ حيث يستقل حاكم كل إمارة بتسمية ممثلي إمارته في المجلس الوطني الاتحادي، والمجلس بصيغته الراهنة، ليس مجلسا تشريعيا، ولا يتمتع إلا بـصلاحيات دسـتورية ضيقة، لا تتعدى مناقشة القوانين التي تحال إليه من مجلس الوزراء، حسبما نصت المـادة (٨٩ (من الدستور، كما لا يستطيع المجلس بصيغته الدستورية الراهنة طرح أي موضوع أو قضية من القضايا العامة دون إذن مسبق بذلك وبموافقة من مجلس الوزراء، حسبما أشارت المـادة (٩٢ (من الدستور، كذلك فان أسلوب انتخاب أعضاء المجلس، يشكل في حد ذاته قيداً إضـافياً علـى عمل الأعضاء، ويساهم في إضعاف المجلس على الصعيد الشعبي والسياسي، ويجعله غير معبر عن الارادة الشعبية.

وبالرغم من التزايد النسبي في أعداد الهيئات الانتخابية فقد بلغ عدد المواطنين الذين كان لهم حق الانتخاب في الانتخابات الأولى عام 2006 (6595) مواطن ومواطنة، وقد زاد هذا العدد في انتخابات 2011 إلى (135.308)، ووصل العدد إلى (224.281) في انتخابات عام 2015 وبنسبة زيادة وصلت إلى (%66)، ليصل عدد الهيئات الانتخابية في العام 2019 إلى 337738 عضواً وبنسبة زيادة تصل إلى 50.8% عن الدورة السابقة، إلا أنه لا يمثل نسبة تذكر من إجمالي عدد المواطنين الإماراتيين.

هذا ناهيك عن آلية اختيار الهيئة الانتخابية، فتتشكل الهيئات الانتخابية عن طريق قيام ديوان حاكم كل إمارة بتسمية أعضاء الهيئة الانتخابية لإمارته، ولا يكون الشخص إلا عضواً في الهيئة الانتخابية للإمارة التي ينتمي إليها دون غيرها، وهي الإمارة الصادر منها خلاصة قيده.

وتتمثل وظيفة الهيئات الانتخابية للإمارة في اختيار نصف عدد ممثلي الإمارة في المجلس الوطني الاتحادي وفقاً لأحكام الدستور.

ويُقدر الحد الأدنى لعدد أعضاء الهيئة الانتخابية في كل إمارة (بثلاثمائة) مضاعف عدد ممثلي الإمارة في المجلس الوطني الاتحادي، أي أن الحد الأدنى لعدد أعضاء الهيئة الانتخابية لكل إمارة يساوي حاصل ضرب عدد ممثليها في المجلس الوطني الاتحادي في الرقم (300) ثلاثمائة. فعلى سبيل المثال، إذا كان عدد ممثلي الإمارة في المجلس الوطني الاتحادي (6) ستة أعضاء بحكم الدستور؛ فإن الحد الأدنى لعدد أعضاء هيئتها الانتخابية هو (6× 300) = 1800 عضواً.... وهكذا.

إلا أنه ليس هناك حد أقصى لعدد أعضاء الهيئة الانتخابية لكل إمارة؛ ذلك أن تقدير الحد الأقصى لعدد أعضاء الهيئة الانتخابية لكل إمارة هو أمر متروك لحاكم الإمارة وحده

ويحدد الحاكم في كل إمارة، طبيعة وصفات وشروط الناخب، على سبيل المثال، يمكنه وفقاً لتقديره، تخصيص نسبة للإناث، أو البالغين، أو كبار السن، وهذا انتهاك واضح لمبدأ حرية المساواة التي نص عليها الدستور، ناهيك عن أن كذلك يصل التمييز الى داخل البيت الواحد، فيوجد من له حق التصويت ويحرم الآخرين داخل العائلة نفسها.

كما لا يُسمح للمرشحين للمجلس الوطني الاتحادي، بحسب اللوائح، الحديث عن القضايا السياسية أو الاقتصادية، أو انتقاد أي سياسة حكومية معلنة، سواء كانت على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.

وأجبرت الحكومة الإماراتية خلال الانتخابات الأخيرة 2019، عدداً من المرشحين على الانسحاب نظراً لانتهاكهم هذه اللوائح وحديثهم عن قضايا سياسية واجتماعية، كان من بينهم المرشحة مريم الشحي، وهي تربوية متقاعدة وناشطة اجتماعية بارزة تتحدر من إمارة رأس الخيمة المحافظة، بعد انتشار تصريحات حادة لها انتقدت فيها عملية التغيير المجتمعي التي تقوم بها السلطات الإماراتية من دون استشارة الشعب، وهو ما رأته السلطات قدحاً فيها، كما أعلن المرشح عن إمارة دبي غيث عبد الله انسحابه من الانتخابات عبر بيان نشره على صفحته الشخصية في موقع "تويتر"، قال فيه إنه تعرض لقيود خلال حملته الانتخابية بسبب محاولاته الإصلاحية.

ودعت الفدرالية الدولية للحقوق والتنمية ("إفرد") اللجنة الوطنية للانتخابات إلى التحقيق في دعاوى تعرّض بعض المرشحين لضغوط على خلفية برامجهم الانتخابية ما أجبرهم على الانسحاب، كما أكدت أن الانتخابات تجري في بيئة سياسية غير ديمقراطية، ولن تكون انتخابات حرة في ظل القيود الحكومية وعمليات القمع المتواصل للنشطاء[12].

كل هذا يكشف عن شكلية وهامشية المجلس الوطني الاتحادي، وأنه مجرد ديكور للنظام السياسي وليس خطوة حقيقية على مسار الإصلاح السياسي. 

القضاء الاتحادي: نظم الدستور الإماراتي عمل القضاء في 16 مادة من المادة 94 إلى المادة 109، وتنص المادة 94 من الدستور أن " العدل أساس الملك، والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في أداء واجبهم لغير القانون وضمائرهم".

ويتكون النظام القضائي الاتحادي من محاكم اتحادية ابتدائية ومحاكم اتحادية استئنافية تتنوع اختصاصاتها في القضايا المدنية والتجارية، القضايا الجنائية، القضايا الإدارية، القضايا الشرعية. بالإضافة إلى محكمة اتحادية عليا، وتختص بعدد من الاختصاصات التي أسندها إليها الدستور في المادة (99) منها بحث دستورية القوانين الاتحادية وتفسير أحكام الدستور والنظر في الجرائم التي لها مساس مباشر بمصالح الاتحاد.

بالإضافة إلى القضاء الاتحادي يوجد قضاء محلي، حيث نصت المادة (104) من الدستور على أنه: "تتولى الهيئات القضائية المحلية في كل إمارة جميع المسائل القضائية التي لم يعهد بها للقضاء الاتحادي بمقتضى أحكام الدستور" ويطبق القضاء المحلي أحكام الدستور والقوانين الاتحادية والقوانين المحلية التي لا تتعارض مع أحكام الدستور والقوانين الاتحادية، والقضاء المحلي على 3 درجات، ابتدائي واستئناف وتمييز وذلك دون الإخلال باختصاصات المحكمة الاتحادية العليا بموجب الدستور.

كما تم تشكيل مجلس التنسيق القضائي بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (77 /3) لسنة 2007 برئاسة معالي وزير العدل وعضوية رؤساء ومدراء الأجهزة القضائية الاتحادية والمحلية بالإضافة إلى مدراء المعاهد القضائية في الدولة.

الحكومات المحلية: يحدّد الدستور العلاقة بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، ويسمح ببعض المرونة في توزيع السلطة، فبموجب الدستور، يجوز لحكام الإمارات التنازل عن بعص اختصاصاتهم للحكومة الاتحادية، كما يجوز للحكومات المحلية في كل إمارة إعادة تولي بعض المهام التي أوكلتها مسبقاً وبشكل إرادي للحكومة الاتحادية.

تحدد المواد 116: 119 الاختصاصات الأساسية للإمارات الأعضاء، كما تنص المادة 122 من الدستور باختصاص الإمارات الأعضاء في كل ما لا تنفرد به السلطات الاتحادية من حيث سلطتي التشريع والتنفيذ المنصوص عليهما في المادتين 120 و121.

كما تضيف المادة 117 مسؤولية كل إمارة في حفظ الأمن، والنظام داخل أراضيها، وتوفير المرافق العامة، ورفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي بها، وتجيز المادة 123 من الدستور للإمارات الأعضاء في الاتحاد عقد اتفاقيات محدودة، ذات طبيعة إدارية ومحلية مع الدول المجاورة، بشرط ألا تتعارض هذه الاتفاقيات مع مصالح الدولة الاتحادية، ولا القوانين الاتحادية (وذلك استثناء على الوارد في المادة 120 بند 1).

أيضاً، تقضي المادة 127 من الدستور بأن تقوم الإمارات الأعضاء بتخصيص نسبة معينة من مواردها لتغطية نفقات الميزانية العامة للاتحاد، وذلك على النحو وبالقدر المحدد في قانون الميزانية.

وتقوم مؤسسات حكومية أخرى بمساعدة كل من الحكومة الاتحادية والمحلية في تنفيذ التزاماتها مثل:

الجهات الاتحادية والوزارات على المستوى الاتحادي، وديوان الحاكم، المجلس التنفيذي، البلدية، والمجلس الاستشاري في كل إمارة.

ولا تزال الحكومة التقليدية تلعب دوراً هاماً في حكومة الإمارات، وسابقاً قبل الاحتلال الإنجليزي كانت تُسند زعامة الإمارة إلى القبيلة الأبرز سياسياً فيها، ثم يختار كبار رجال القبيلة الحاكمة من صفوفهم الزعيم الأعلى للإمارة، ولكن مع سيطرة الانجليز ثبت حكم الأسر القائمة، ونظراً لسيطرة هذه الأسر على مقدرات الحكم، بات تغيير تلك الأسر غير وارد.

المطلب الثاني: إشكاليات النظام السياسي

يعاني النظام السياسي الإماراتي من سلبيات وتحديات تؤثر على عمله ومساره المستقبلي، فقد اتصفت المؤسسات الاتحادية منذ قيامها بالهشاشة والضعف، فقد ظل الدستور يعاني عدداً من الإشكاليات التي انعكست سلباً على علاقة الحكومة بشعبها، وعلى علاقة الإمارات ببعضها البعض، ومن أهم الاشكاليات إدارة الثروات الطبيعية، وتوحيد القوات المسلحة، والحقوق السياسية للمواطنين، والعلاقات الخارجية للدولة، ففيما يتعلق بإدارة الثروة أدت المادة "٢٣" من الدستور التي تنص على إعطاء كل إمارة السيادة التامة على ثرواتها الطبيعية، إلى ظهور نماذج تنموية على مستوى كل إمارة اتصفت بكثير من الهدر والفساد، كما أن هذه المادة قد ساعدت على ظهور فجوة في الدخل بين الإمارات الغنية والفقيرة وتفاقمت هذه الفجوة في السنوات الاخيرة وخلقت أزمات متلاحقة بين حكام الإمارات، أما عملية توحيد الجيش، فقد استغرقت وقتا ً طويلا وحتى عندما تم الاتفاق على توحيد الجيش في العام ١٩٩٦، عملا بمواد الدستور وبسبب عدم تمكن بعض الإمارات من الاستمرار في الإنفاق على جيوشها المحلية، ظلت النفقات العسكرية لا تحكمها رؤية اتحادية، فاستمرت هذه النفقات تمثل نصيب الأسد من الإيرادات النفطية وكانت دائما ًعلى حساب مشروعات أخرى أكثر انتاجية كالتعليم والصحة وغيرها[13].

وبالتدقيق في موقف المشرع الدستوري الإماراتي ثمة حقيقة بادية للعيان مفادها أن دور السلطة التنفيذية في الوظيفة التشريعية يفوق دور المجلس الوطني الاتحادي، لا بل يمكن القـول إن السلطة التنفيذية تمارس الجزء الأكبر والأهم من الوظيفة التشريعية، وأن المجلس الـوطني الاتحادي يشارك السلطة التنفيذية بدور محدد في ممارسة تلك الوظيفة، ومحصور فـي إبـداء الرأي في مشروعات القوانين التي تعدها السلطة التنفيذية.

 

المبحث الثالث: فعالية المؤسسات الدستورية والتشريعية

تتمثل فعالية المؤسسات في القيام بدورها المنوط بها، لذا فالمنوط بالمؤسسات التشريعية أن تكون معبرة عن مطالب الشعوب وتضع القوانين التي تتوافق مع متطلباتها في الإصلاح والتغيير.

 لذا ابتكر الفلاسفة القدماء فكرة توزيع سلطات الدولة على ثلاث سلطات هي:

السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، وتبعا لذلك تقسم وظائف الحكم في الدولة، والفصل فيما بينها وعدم تركيزها في يد واحدة، وهو ما يسمى بمبدأ الفصل بين السلطات؛ لأن تجميع السلطات في يد حاكم واحد بحيث يصير هو المشرع والقاضي والمنفذ في وقت واحد يؤدي إلى الاستبداد والفساد، وانعدام الحرية، وإهدار حقوق الأفراد، وطمس حرياتهم العامة.

وتتمثّل وظيفة السلطة التشريعيّة في سنّ القوانين، وتعديلها، وإلغائها، إذ تُخوّل السلطة التشريعيّة بسنّ القوانين بموجب الدستور الوطنيّ، وترتبط مهام السلطة التنفيذيّة بالسلطة التشريعيّة بشكلٍ كبير، حيث تُنفّذ السلطة التنفيذيّة الأحكام التي سنّتها السلطة التشريعيّة؛ كضبط الأمن في الشوارع، ومحاكمة منتهكي القوانين، أمّا السلطة القضائيّة فتُنفّذ القوانين التي أقرّتها السلطة التشريعيّة، لذا تقاس قوة وفعالية المؤسسات التشريعية بمدى توافر استقلاليتها عن السلطة التنفيذية.

من الأمور المقررة في الدساتير هو حفظ الفصل بين السلطات وعدم تغول سلطة على أخرى ولكن في الدستور الإماراتي فالسياق مختلف حيث تكفل الدستور بسيطرة السلطة التنفيذية على باقي السلطات فالمجلس الأعلى للحكم هو من يقدم القوانين ويعتمدها ويعين الوزراء والقضاة وغيرهم وهذا انتهاك واضح لسياسة الفصل بين السلطات.

 تشير أحدث الدراسات التجريبية ودراسات الحالات إلى أن المؤسسات تتفوق من حيث أثرها الإيجابي في كل من الاستقرار والازدهار على بقية محددات التنمية كالموارد البشرية والمادية والتجارة، غير أن مؤسسات اتحاد الإمارات اتصفت منذ البداية بالهشاشة والضعف فهي قد ركزت القرار والثروة في أيدي الحكام وحدهم وهمشت المواطنين، ما انعكس سلباً على الأداء التنموي والأمني عبر السنوات الماضية.

فالدستور الإماراتي نص على المادة 23 منه التي تنص على إعطاء كل إمارة السيادة التامة على ثرواتها الطبيعية أدت إلى نماذج تنموية على مستوى كل إمارة اتصفت بكثير من الهدر والفساد كما أنها ساعدت على ظهور فجوة متزايدة في الدخل بين الإمارات الغنية والأقل دخلاً.

أما الحقوق السياسية للمواطنين فتكاد تكون معدومة لأن المجلس الوطني الذي يفترض فيه أن يكون تعبيراً عن سيادة المجتمع يختار أعضاءه بصورة مباشرة أو غير مباشرة الحكام أنفسهم، كما أنه مجلس ليس لديه صلاحيات تشريعية أو رقابية وإنما هو مجلس يطلب منه الحكام من طريق مجلس الوزراء تقديم الاستشارات في موضوعات مختارة وللحكام الأخذ بها أو رفضها.

"وإذا كان هناك من يجد بعض العذر للآباء المؤسسين لتجاهلهم أو تقليلهم من أهمية أخذ إرادة المجتمع في الاعتبار عند كتابة هذه الدساتير فليس هناك من عذر لإخفاق الجيل الثاني من القيادات السياسية في تحقيق ذلك، لأن هذا النوع من الشرعية هو وحده القادر على تلبية طموحات الأجيال الصاعدة، وتفعيل دورها في مسيرة التنمية، وذلك بإيجاد مفهوم واحد للمواطنة يتساوى بموجبه جميع أبناء الدولة في الحقوق والواجبات، بل إن سجل هذه القيادات الجديدة يشير إلى أنها حرصت على تهميش دور أبناء المجتمع وعملت على مأسسة النظام الوراثي وإضعاف البيئة المؤسسية وعدم السماح بتطور مؤسسات المجتمع المدني والإفراط في اللجوء إلى المؤسسات الأمنية وخاصة منذ بداية الربيع العربي مع تفاوت في الدرجة طبعاً، وهذه كلها سياسات حولت المجتمع إلى ما يشبه الجسد الذي تعطلت كل أطرافه إلا رأسه"[14]

فعالية نصوص الدستور الإماراتي تجاه مبدأ الفصل بين السلطات

بالاطلاع على نصوص مواد الدستور الإماراتي يلاحظ بأنه لم ينص في أي مادة من مواده صراحة أو بشكل ضمني على مبدأ الفصل بين السلطاتً، ولعل ما يبرر ذلك هو التوجه العام في الدستور الإماراتي نحو ترجيح كفة السلطة التنفيذية على غيرها من السلطات الأخرى.

لذا نجد بأن للسلطة التنفيذية مهام تشريعية بارزة، حيث إنه وفق لنص المادة (79)، فإنه "تكون دعوة المجلس للانعقاد، وفض الدورة "بمرسوم" يصدره رئيس الاتحاد بموافقة مجلس وزراء الاتحاد، وكل اجتماع يعقده المجلس بدون دعوة رسمية للانعقاد، أو في غير المكان القانوني المقرر لعقد اجتماعاته بموجب هذا الدستور يعتبر باطلاً ولا يترتب عليه أي أثر.

كما نصت المادة (88) على أنه يجوز بمرسوم يصدره رئيس الاتحاد بموافقة مجلس وزراء الاتحاد تأجيل اجتًماعات المجلس لمدة لا تجاوز شهر واحدا، على ألا يتكرر ذلك في الدورة الواحدة إلا بموافقة المجلس ولمرة واحدة، ولا تحتسب فترة التأجيل ضمن مدة الدورة العادية، كما يجوز بمرسوم يصدره رئيس الاتحاد بموافقة المجلس الأعلى للاتحاد حل المجلس الوطني الاتحادي، على أن يتضمن مرسوم الحل دعوة المجلس الجديد للانعقاد في أجل لا يجاوز ستين يومًا من تاريخ مرسوم الحل، وألا يجوز حل المجلس مدة أخرى لنفس الأسباب من ثم فإن المجلس لا يعقد جلساته أو ينحل إلا بمرسوم يصدره رئيس الاتحاد فضًلا عن تأجيل جلساته.

 كما إنه في حالة رغبة المجلس الوطني الاتحادي إجراء تعديلات على بعض مواد مشروع القانون أو رفضه مجملا من حيث المبدأ، ففي هذه الحالة يجوز لرئيس الاتحاد أو المجلس الأعلى للاتحاد إعادة مشروع القانون الذي عدله أو رفضه المجلس الوطني الاتحادي مرة أخرى إليه، فإذا ما أصر المجلس الوطني الاتحادي على موقفه من إجراء تعديل غير مقبول من جانب رئيس الاتحاد أو المجلس الأعلى أو رفض المشروع، جاز لرئيس الاتحاد أن يصدر القانون كما أعده مجلس الوزراء بعد مصادقة المجلس الأعلى للاتحاد عليه.

واستكمالا لهيمنة السلطة التنفيذية على باقي السلطات، فقد منحها الدستور دوراً في أعمال السلطة القضائية حيث للسلطة التنفيذية ممثلة في المجلس الأعلى للاتحاد الحق في تعيين رئيس وقضاة المحكمة الاتحادية العليا وقبول استقالتهم وفصلهم في الأحوال التي نص عليها الدستور، "كما أن الدستور منح رئيس الاتحاد سلطة تعيين وعزل أعضاء المحاكم الاتحادية من الموظفين وذلك بناء على موافقة مجلس وزراء الاتحاد، كما أنه يحق لرئيس الاتحاد أن يعفو عن تنفيذ العقوبة المحكوم بها من جهة قضائية اتحادية قبل تنفيذ الحكم أو أثناء التنفيذ أو أن يخفف هذه العقوبة وذلك بناء على اقتراح من وزير العدل الاتحادي وبعد موافقة لجنة مشكلة من ستة أعضاء يختارهم مجلس وزراء الاتحاد ويرأس رئيس الوزراء ذلك المجلس، كما إنه لا تنفذ عقوبة الإعدام الصادرة نهائيا من جهة قضائية اتحادية إلا بعد مصادقة رئيس الاتحاد على الحكم، كما يحق له أن يستبدل الحكم أو يخففه بناء على الخطوات الإجرائية سالفة الذكر"[15].

فعلى الرغم من أن مبدأ الفصل بين السلطات يقوم على تحقيق نوعا من التوازن والتعاون بين السلطات الثلاث، أي أن لكل سلطة يكون لها دور في السلطة الأخرى بما لا يخل بالوظائف الخاصة بكل منهم، إلا أن الدستور الإماراتي منح السلطة التنفيذية مهاماً في السلطات الأخرى مع عدم النص على أي أدوار لتلك السلطات في السلطة التنفيذية، وبالتالي فقد عزز من تكريس السلطة التنفيذية وخاصة المجلس الأعلى للاتحاد على حساب السلطات الأخرى التشريعية والقضائية، حيث يعد صاحب الوظيفة التشريعية الحقيقية ما دام إنه صاحب الرأي النهائي في إقرار القوانين.

"فبالرغم من أن المجلس الوطني الاتحادي يفترض فيه أن يمثل شعب الاتحاد، بمعني أنه يمثل الإرادة الشعبية ويقابل المجالس الشعبية في النماذج الاتحادية إلى أن طريقة تشكيله واختصاصاته يجردانه من الهدف الحقيقي الذي وجد من أجله وهو تمثيل شعب الاتحاد"[16].

المبحث الرابع: الإصلاح السياسي وكيف يراه النظام الإماراتي

استطاعت الأنظمة الحاكمة في العالم العربي اجتياز الكثير من التغيرات السياسية الحادة التي عمت العالم في نهاية الحرب الباردة، دون أن تتخلى عن الكثير من سلطتها وحكمها المطلق، بالرغم من ادعاء هذه الأنظمة الإصلاح السياسي، وصحيح أن بعض هذه الأنظمة أجرت بعض الإصلاحات المحدودة، لكن هذه الإصلاحات كانت موجهة نحو تحديث الاقتصاد، وبدلاً من إعادة توزيع السلطة ضمن النظام السياسي، تمسكت تلك السلطات بسلطاتها المطلقة متجاوزة حق المواطنين في المشاركة السياسية والمجتمعية، وتعد الإمارات نموذج حقيقي لهذه الأنظمة.

ويتسم الخلل السياسي بشكل عام في دول مجلس التعاون وفي القلب منها الإمارات، بالعلاقة غير المتكافئة بين السلطة السياسية والمجتمع، حيث تنفرد العوائل الحاكمة بالتحكم في الموارد وصنع القرار السياسي، ليغيب على هذا الأساس مبدأ المواطنة الكاملة القائمة على تساوى الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، بل تطالب السلطة السياسية بقبول يسمى بالولاء مقابل الحصول على امتيازات حصرية للمواطن، أي حصة من ريع النفط، تتمثل في بعض الامتيازات مثل عدم دفع الضرائب وتوفير بعض الخدمات الأخرى وهو ما سنتعرض له في المبحث السادس.

ومنذ تشكيل دولة الإمارات في سبعينيات القرن الماضي، كانت أبو ظبي تحاول أن تتبّنى سياسات متوازنة ومعتدلة سواء على الصعيد المحلي أم الدولي، لكن مع ظهور الشيخ محمد بن زايد وسيطرته على مقدرات الحكم تغيّرت هذه السياسة، انطلاقًا من طموح خاص لديه ينم عن دور بلاده المستقبلي في المنطقة على صعيد الطاقة والقيادة والدور الإقليمي، وحتى يستطيع القيام بهذا الدور كان عليه – من وجهة نظره-أن ينهي أي محاولات إصلاحية أو معارضة تناقض رؤيته. 

وحتى نستطيع فهم واقع ومستقبل الحقوق المدنية والسياسية للمواطن الإماراتي، من الأهمية الوقوف على شخصية محمد بن زايد الرجل القوي والمسيطر على دولة الإمارات العربية المتحدة، ونظرته تجاه الإصلاح السياسي وشكل الدولة.

المطلب الأول: صعود بن زايد وسيطرته على الدولة

في نهاية عهد الشيخ زايد ومنذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي بدأ صعود محمد بن زايد، ومنذ وفاة أبيه وتولي الأخ غير الشقيق له خليفة بن زايد رئاسة الدولة وحُكم أبوظبي، بدأت تطلعاته إلى سدة الحكم، فقد أُجبر خليفة على أن يكون ولي عهده هو محمد بن زايد، وإن كان قراراً مخالفاً لأعراف ولاية العهد في دولة الإمارات.

واستطاع محمد بن زايد السيطرة على أغلب مفاصل الدولة وضمنها منصب نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، ومن خلال تقرّيَب الإخوة الأشقاء الموالين له، بالإضافة إلى تمكين أبنائه في الجهاز (المجلس التنفيذي) الذي يُحكم به قبضته على أبوظبي، لمنع حدوث أي انقلاب أو محاولة انقلاب في بلد أمني، وإن بدا غير ذلك.

وساعده في ذلك حجم أبوظبي وقدرتها النفطية، حيث "تعدّ أبوظبي الإمارة الأكبر جغرافيا بـ٨٧٪ من مساحة الدولة، كما تمتلك ٩٥٪ من حصة الدولة النفطية، وصندوقا للاستثمار يحتل المركز الثالث عالميا وتبلغ إجمالي أصوله 579.621 مليار دولار، ويدير نحو 47 شركة تابعة، وهو أيضا أكبر صندوق سيادي بالشرق الأوسط. كما استطاع فرض سيطرته التامة على إمارة "دبي" المنافسة لإمارة أبوظبي إثر مساعدته لها إبان الأزمة المالية عام2008.

فواقعيا منذ أكثر من عقدين، أصبح صاحب الـ 60 عاماً، القائد الفعلي في الإمارات، على رغم أن أخاه الأكبر خليفة، الذي أُصيِب بسكتةٍ دماغية عام 2014، هو الرئيس رسمياً، إلا أن بن زايد هو من يرسم السياسات التعليمية والمالية والثقافية والخارجية للدولة منذ أمد طويل.

تلقى بن زايد تعليمه على يد أحد الإسلاميين المصريين الذي يُدعى “عز الدين إبراهيم[17]”. وعلى رغم أن زايد كان على علم بانتماء إبراهيم إلى جماعة الإخوان المسلمين، لكنه لم يكن يعتبر حينها أن الإخوان تُشكل تهديداً له بعد، ومن غير المعروف طبيعة العلاقة التي كانت تجمع محمد بن زايد بمعلمه الإسلامي، لكن بحسب صحيفة البيان الإماراتية، فعندما توفي إبراهيم عام 2010 كان محمد بن زايد ومعظم إخوانه وأبناء عمومته من الأمراء على رأس الحاضرين لمراسم دفن الدكتور عز الدين إبراهيم بمقبرة البطين بأبوظبي[18].

المطلب الثاني: التحول الفكري عند بن زايد ورؤيته للحكم والإصلاح السياسي

كشفت عدد من وثائق ويكليكس عن رؤية بن زايد للإصلاح السياسي وأسباب عدائه مع الإسلاميين، الذي كان أحد تلامذتهم في مرحلة ما.

وكانت هجمات 11/سبتمبر أحد التواريخ المهمة في حياة محمد بن زايد، فقد رأى فيها بن زايد الأب والابن مؤشر على تصاعد التهديد الإسلامي، وخاصة مع مشاركة إماراتيين بهذه الهجمات، ففي خريف هذا العام اعتقلت أجهزة الأمن الإماراتية نحو 200 إماراتي وما يقرب من 1600 شخص أجنبي[19].

بدأت مواجهة بن زايد مع جمعية الإصلاح والإصلاحيين عقب أحداث سبتمبر، فبدأ التضييق الأمني على أنشطة الجمعية وأفرادها مما دعا رموز الإصلاحيين بالمبادرة بالتواصل مع الجهات المسؤولة لشرح وجهة نظرها مما تتعرض له من تضييق من جانب المؤسسات الرسمية وبخاصة الأمنية وللوصول إلى نقاط مشتركة، وحين تم اللقاء- وفقاً لمصادر خاصة- واستمع كل طرف للآخر، كان مطلب دعاة الإصلاح أن يُعطى لهم هامش من الحرية لممارسة أنشطتهم، وأن يكون ذلك بمؤسسة رسمية كجمعية الإصلاح، لكون الدعوة إلى الله واجباً شرعياً لا يمكن لدعاة الإصلاح التخلي عنها، ولكن اللقاء انتهى دون أن يتحقق للإصلاحيين ما كانوا يستهدفونه، من تخفيف الاحتقان والعودة بالأنشطة إلى سالف عهدها.

وإثر إخفاق الحوار في الوصول إلى النتائج والحقوق الوطنية المستهدفة، دخلت دعوة الإصلاح والعمل الإسلامي مرحلة جديدة، فقد تفاقمت مظاهر حصار الدعوة وأخذت تفقد واجهاتها تباعاً، وازداد التضييق على أفرادها كافة.  

وبات موقف بن زايد أكثر تشدداً، فقد صرح عام 2004 في لقاءه بوفد أميركي، قائلاً “نحن نخوض حرباً ثقافية مع جماعة الإخوان المسلمين في هذا البلد”، ووفقاً لإحدى البرقيات التي نشرها موقع “ويكيليكس”. فقد قال خلال زيارة مجموعة من الدبلوماسيين عام 2009، إن أحد أبنائه بدأ في الوقوع تحت تأثير الفكر الإسلامي، وحاول مجابهة ذلك باستخدام أحد الأساليب التي استخدمها والده من قبل وهو إرسال ابنه إلى إثيوبيا برفقة منظمة “الصليب الأحمر” لتقدير المبادئ الأخلاقية التي يتسم بها غير المسلمين[20]

وفي وثيقة أمريكية أخرى، مؤرخة بتاريخ 29/04/2006 سربتها ويكيليكس "ورد حوار ما بين الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي وأخيه عبد الله بن زايد مع مساعدة الرئيس الأمريكي جورج بوش للشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب، فرانسيس تاونسيند، وعند الحديث عن طريقة التعامل مع تيارات الإسلام السياسي والإخوان المسلمين، قال محمد بن زايد أن "فوز حماس في الانتخابات يجب أن يكون درسا للغرب الذي يطالبنا بالديمقراطية والانتخابات الحرة"، ويضيف محمد بن زايد: "أجزم لك لو حدثت انتخابات في دبي غدا لفاز بها الإخوان المسلمون.. لا نريد الديمقراطية التي تأتي لنا بمثل هؤلاء"، وختم كلامه قائلا: "إننا في حرب مع هؤلاء وأمام تحد من أجل إيجاد طريقة ننهيهم فيها للأبد بحيث لا يعودون مرة أخرى، كما أننا نقوم بتغيير المناهج التي وضعها لنا الإخوان في الستينات من القرن الماضي"[21].

في الوقت الذي أبدى فيه محمد بن زايد تشدده ضد الإصلاحيين وحاول تضييق الخناق عليهم، عمل على مشروع أكثر طموحاً، وهو بناء دولة من شأنها أن تواجه الحركة الإسلامية بأسرها؛ فبدلاً من إرساء الديمقراطية تم تأسيس نظام ليبرالي ديكتاتوري قائم على حكم الفرد.

ووفقاً لوثيقة ويكليكس فقد اعتبر بن زايد أن نظام التعليم في الإمارات العربية المتحدة اخترق من قبل الإخوان المسلمون؛ معتبراً أن وزير التربية والتعليم الإماراتي من1972-1977[22] "تم تجنيده من الإخوان المسلمين" وكان التعليم يسير في الاتجاه الخاطئ منذ ذلك الحين "[23].

ولم تقتصر انتهاكات النظام الإماراتي على الإسلاميين فقط، فقد طاولت حملات القمع أصوات قومية وليبرالية منذ وقت مبكر ففي العام 2007، حكمت محكمة جنائية في رأس الخيمة عليهما بالسجن لمدة خمسة شهور بتهمة التشهير، كلاً من محمد راشد الشحي، مدير منتدى إلكتروني، وخالد العسلي، الكاتب في المنتدى، وذلك بعد نشر مقال في المنتدى ينتقد التمييز والفساد في المؤسسات الصحية الحكومية.

هذه أهم الملامح حول فكر بن زايد وشخصيته والتي رسم سياسة الدولة خلال العقدين الماضيين، وارتكزت بصفة أساسية على مواجهة الإسلاميين والإصلاحيين في الداخل والخارج، وتركيز السلطات في يديه وإنهاء أي محاولات إصلاحية داخل الدولة، فحوًل الإمارات لدولة وظيفية تقوم على مواجهة الإصلاحيين وتمكين المشروع الصهيوني بالمنطقة. 

"ربما هذا هو اللغز الرئيسي في نظام الحكم الذي يعتمده محمد بن زايد: فهو طاغية مستبد ليبيرالي، وتتغير سياسة بلاده بتغيُّر المنظور الذي تراها من خلاله"[24].

 

 

المبحث الخامس: هل يوجد مجتمع مدني مستقل عن الدولة في الامارات؟

عملت المواثيق والاتفاقيات الدولية على الحفاظ على حرية تكوين الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان في شطري المادة العشرين منه ينص على أنه "لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية"، و"لا يجوز إرغام أحد على الانتماء إلى جمعية ما.[25] "

فيما تأتي نصوص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية موضحة لما جاء في المادة سالفة الذكر، حيث تنص المادة 21 منه على: "يكون الحق في التجمع السلمي معترفًا به. ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقًا للقانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم". وتضيف المادة 22 أنه:

1-لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين (...) والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.

2-لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم. ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق.[26] "

وتعود بدايات المجتمع المدني في الخليج إلى العشرينيات من القرن الماضي. وقد كانت بدايات خجولةً، يغلب عليها الطابع الثقافي والخيري، مثل الجمعية الخيرية العربية التي تأسست في الكويت عام 1913، والنادي الأدبي الذي تأسس في البحرين عام 1919، وفي الكويت عام [27]1922، ومن المؤكد أن مؤسسات المجتمع المدني في دول الخلج تعيش حالة ضعف ويرجع ذلك إلى عوامل بنيوية عدة منها طبيعة الدولة نفسها ومنها أسباب ترتبط بالبنية الثقافية والفكرية للمجتمع نفسه.

المطلب الأول: نشأة المجتمع المدني في الإمارات

يُعرَّف المُجتمَع المدني بأنّه مجموع المُنظَّمات غير الربحيّة، وغير الحكوميّة المُستقِلّة تماماً عن السُّلطة السّياسية والتي تَمّ تأسيسها على يَد أفراد أو جماعات مُهتمة بالطّابع الإنسانيّ، وهي تشمل في مُجملها مجموعة المُنظَّمات الخيريّة، النقابات العُمّالية، النقابات المهنِيّة، مُؤسسات العمل الخيري، المُنظَّمات الخاصّة بحقوق الإنسان، النّوادي الرّياضية، جماعات الرّفق بالحيوان، والجماعات المُكوَّنة من السكّان المَحليّين

اما اصطلاحا فإن مصطلح " المجتمع المدني" يشير على أنه عبارة عن مجموعة من البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية التي تنظم في إطارها شبكة معقدة من العلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات الاجتماعية في المجتمع ويحدث ذلك بصورة ديناميكية مستمرة من خلال مجموعة من المؤسسات التطوعية التي تنشأ وتعمل باستقلالية عن الدولة.

ويشمل مفهوم الجمعيات الأهلية المتوافق عليها في دول مجلس التعاون ومنها الإمارات،  كل مـن الجمعيـات والمؤسسات الأهلية الخيرية وذات النفع العام والروابط المهنيـة والعلميـة مثـل المحـامين والمهندسين والأطباء والمعلمين والأكاديميين وغيرهم وجماعات رجـال الأعمـال وسـيدات الأعمال والاتحادات والنقابات العمالية والاتحادات والجمعيات التعاونية والمنظمات والجمعيات الحقوقية التي تنشط للدفاع عن فئة مثل حقوق الطفل والمرأة والاشخاص ذوي الاعاقة وحقوق الانسان وكذلك الأندية الاجتماعية والرياضية بالإضافة إلى الـروابط والجمعيـات الثقافيـة والأدبية الفنية.

وترجع نشأة المنظمات غير الحكومية في دولة الإمارات العربية المتحـدة إلى مطلع سبعينيات القرن الماضي، وتحديـدا في عـام 1973 بإنـشاء جمعيـة النهـضة النـسائية بإمـارة دبي، والتـي ارتـبط نـشاطها بالعمـل الخـدمي والتكـافلي.

وشـهد عقـدا الثمانينيـات والتـسعينيات إشـهار العديـد مـن جمعيات النفع العام حتى وصلت إلى 107 جمعيات في عام 2000، ثـم 130 جمعية في عام 2007، وبلغت 166 جمعية في العام 2016، وزادت إلى 175 في 2017، ثم إلى 185 في 2018، ووصلت إلى 195 جمعية في نهاية 2019، ثم 204 جمعية نفع عام حتى نهاية يوليو 2020، و18 صندوق تكافل اجتماعي، و27 مؤسسة أهلية، وذلك حسب إحصائيات صادرة عن وزارة تنمية المجتمع، الجهة المعنية بالإشراف على هذه الجمعيات والمؤسسات والصناديق.

واستحوذت إمارة أبوظبي على النصيب الأوفر من عدد الجمعيات بواقع 77 جمعية، ثم إمارة دبي57، والشارقة 29، ورأس الخيمة 16، والفجيرة والمنطقة الشرقية 13، وعجمان 7، وأم القيوين 5.

وبحسب الفئات العامة للجمعيات ذات النفع العام، فقد تصدّرت جمعيات الخدمات العامة والثقافية بواقع 75 جمعية على مستوى الدولة، ثم الجمعيات المهنية 35، وجمعيات الفنون الشعبية 30، والجمعيات الإنسانية 28، وجمعيات الجاليات 15، وجمعيات المسارح 13 جمعية، وأخيراً الجمعيات النسائية بواقع 8 جمعيات على مستوى دولة الإمارات.

وبحسب بيانات الوزارة خلال الفترة من بداية العام وحتى نهاية يوليو 2020، فقد تم إشهار 9 جمعيات على مستوى إمارات الدولة[28].

وهذا عدد محدود جداً يكشف عن مدى التضييق على إنشاء جمعيات جديدة بالرغم أن معظمها جمعيات فئوية محدودة النشاطات والمهام والأفراد، وهذا بالطبع يتوافق مع رؤية الدولة في تهميش المجتمع المدني.

الاتحادات الطلابية كنموذج لتجميد المجتمع المدني

يمثل النشاط الطلابي والاتحادات الطلابية أحد أهم ركائز المجتمع المدني، فمن خلال الجامعات يتم التدريب الحقيقي على المشاركة المجتمعية وبناء مؤسسات مجتمع مدني ذو فعالية وتأثير في المشهد المجتمعي.

وتأسس الاتحاد الوطني لطلبة الإمارات عام 1981م في جامعة الإمارات[29]، وكانت مهامه وأنشطته تقتصر على الطلاب آنذاك، وفي عام 2007 تأسس اتحاد الطالبات، ، ومنذ نشأته وحتى عام 2012 سيطر طلاب الإصلاح على أغلب مقاعده بالانتخاب، وكان لهم نشاطات واضحة سواء على الصعيد الطلابي أم المجتمعي بل والمواقف الدولية، فعلى سبيل المثال كانت لهم مواقف واضحة من التطبيع مع الكيان الصهيوني، فقد دعا المؤتمر الطلابي السابع للاتحاد الوطني لطلبة الامارات إلى مقاومة التطبيع مع إسرائيل واستخدام كافة الوسائل المتاحة للحد من مخاطر هذا التطبيع[30].

كما سعى الاتحاد حينها إلى مشاركة فعالة في الوسط الطلابي ، فقد دعا خلال مؤتمره العام التاسع عام 2009 إلى وضع وثيقة وطنية تحوي مبادئ وأسس الالتزام بالهوية الوطنية في التعليم وضرورة تحمل الاتحاد الوطني لطلبة الامارات لدوره في دعم المسيرة الاتحادية وتعزيز الهوية الوطنية في العمل الطلابي، كما ناقش عددا من المحاور والقضايا الطلابية والمحلية والإقليمية، ودعت التوصيات إلى إعداد وتنفيذ برنامج استراتيجي لتدريب وتأهيل وإعداد القيادات الطلابية في الدولة وتوعية الطلبة بأهمية العمل الطلابي والمساعدة في إبراز الوجود الطلابي في المحافل والقضايا الإقليمية والدولية ، وضرورة توعية الطلبة بحقوقهم وواجباتهم ودور الاتحاد في التكفل بحفظها[31]

لم تتحمل الدولة هذا النشاط الطلابي فبدأت الحكومة سعيها لنزع المجموعات السياسية وإنهاء سيطرتها على اتحادات الطلاب حتى قامت في عام 2012 بالاستبدال باتحاد الطلاب مجلسا طلابيا يشارك فيه الطلاب كأفراد لا كمجموعات سياسية، ويتم اختيارهم بانتخابات جزئية، ولم تكتف الدولة بالتضييق على النشاط الطلابي الإماراتي فقط، بل قامت بالتضييق على الطلاب الكويتيين داخل الجامعات الإماراتية مما حدا بفرع الاتحاد الوطني لطلبة الكويت في الإمارات إلى إغلاق فرعه وتوقف جميع أنشطته[32].

وبالرغم من مرور ما يقرب من عشر سنوات على تحجيم العمل الطلابي، إلا أن السلطة مازالت متخوفة من أي نشاط يتعلق بالسياسة حتى لو كان داخل جدران الجامعة، فانحصر النشاط الطلابي في أعمال الترفيه ومساندة السلطة الحاكمة، دون ممارسة حقيقية للدور المنوط بالاتحادات الطلابية.

المطلب الثاني: الإطار القانوني لعمل المجتمع المدني

جاءت المادة "33" من الدستور التي تنص على " حرية الاجتماع، وتكوين الجمعيات، مكفولة في حدود القانون" لتكون بمثابة حجر الأساس في البناء التشريعي الخاص بمؤسسات المجتمع المدني في الإمارات، وبالرغم من أن الدستور لم يقيد تكوين الجمعيات إلا أنه منح الجهات الإدارية سلطات واسعة يمكن معها إفراغ هذا الحق من محتواه، وهو ما يتعارض مع نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة العشرين الذي ينص بوضوح على أنه "لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية"، فالدستور الإماراتي قيًد عمل الجمعيات ومنح السلطة التنفيذية المجال الدستوري لتنفيذ ذلك، لا سيما في مجتمع صُنّف في السنوات الـ 15 الماضية بأنه مجتمع غير حر من قبل بعض المؤسسات الدولية[33].

وقد صدر في الإمارات قانونان لتنظيم عمل مؤسسات المجتمع المدني، الأول عام 1974، والثاني عام 2008 المعمول به حتى الآن.

ويعرف القانون الجمعية ذات النفع العام في المادة الثانية منه" يقصد بالجمعية ذات النفع العام كل جماعة ذات تنظيم له صفة الاستمرار لمدة محددة أو غير محددة تؤلف من أشخاص طبيعيين أو اعتباريين، بقصد تحقيق نشاط اجتماعي، أو ديني، أو ثقافي، أو علمي، أو تربوي، أو مهني، أو نسوي، أو إبداعي، أو فني، أو تقديم خدمات إنسانية، أو تحقيق غرض من أغراض البر، أو التكافل سواء كان ذلك عن طريق المعاونة المادية أو المعنوية أو الخبرة الفنية وتسعى في جميع أنشطتها للصالح العام وحده دون الحصول على ربح مادي، وتكون العضوية فيها مفتوحة للجميع وفقا لأحكام هذا القانون، وتكون العبرة في تحديد هدف الجمعية بالغرض الرئيسي الذي أنشئت من أجله".

وبموجب هذا القانون، فإن عدد المؤسسين يجب ألا يقل عن عشرين شخصًا يحملون الجنسية الإماراتية، وممن بلغوا الثامنة عشرة. وقد أجاز القانون أن يقل عدد المؤسسين إلى خمسة أشخاص، شرط موافقة الوزير المختص (مادة3)، لكنه لم يبيّن المعايير التي يستند الوزير إليها للموافقة على تقليص العدد، الأمر الذي يمنحه سلطة مطلقة في التقدير.

وتُصدر الجهة الإدارية المختصة بتسجيل الجمعيات، خلال ستين يومًا من تاريخ تقديم الطلب، قراراً بالموافقة أو رفض إشهار الجمعية، أو بالطلب من المؤسسين إدخال "ما تراه مناسبًا من التعديلات في النظام الأساسي للجمعية، أو بإحالة الطلب إلى جهات الاختصاص الأخرى"(مادة7)، ويبدو غريبًا النص في القانون على إحالة طلب التأسيس إلى جهات أخرى من دون تسميتها، الأمر الذي يبخس المؤسسين حقهم في متابعة الجهة التي تتولى دراسة طلب التأسيس.

كما ينظّم القانون إجراءات التظلم من قرار رفض التسجيل على مرحلتين، الأولى بتظلم إداري خلال 180 يومًا من تسلم قرار الرفض صراحة أو ضمنًا، والثانية بالطعن في القرار أمام القضاء(مادة8)، لكن القانون لم يحدّد المحكمة التي يلجأ إليها المؤسسون للطعن في القرار.

ويحظر القانون على الجمعيات الخروج عن الأغراض التي تأسست من أجلها وتم تحديدها في النظام الأساسي، كما يحظر عليها وعلى أعضائها التدخل في السياسة أو في الأمور التي تمس أمن الدولة ونظام الحكم فيها أو إثارة المنازعات الطائفية أو العنصرية أو الدينية (مادة16).

كما لا يسمح للجمعيات بالمشاركة في مؤتمرات خارجية أو الانضمام إلى منظمات أو اتحادات خارجية من دون موافقة الجهة الإدارية المختصة، كما ليس في استطاعتها دعوة شخصيات من خارج الإمارات للمشاركة في ندواتها إلا بعد أخذ الموافقة من الوزارة المشرفة على عمل الجمعيات (مادة 17).

وتمارس الوزارة دور الرقابة على الجمعيات لجهة الأمور الإدارية والمالية، لا سيما ما إذا كانت الجمعية ملتزمة بنظامها الأساسي أم لا (مادة20).

ولا يجوز للجمعيات جمع التبرعات إلا بترخيص مسبق من الوزارة، كما لا يجوز لها -من دون ترخيص -قبول هبات أو وصايا أو إعانات أو جمع تبرعات من أي شخص أو جهة من خارج الدولة (مادة 43)، إلا أن القانون أعفى هذه المنظمات من أي رسوم أو ضرائب مقررة لصالح الدولة، بما فيها تكاليف الكهرباء والماء إذا كانت الحكومة هي المزود لها.

ويجيز القانون للوزير المختص حل الجمعية إداريًا إذا ما خالفت بنود القانون، وذلك بعد تشكيل لجنة برئاسة وكيل الوزارة وعضوية أحد كبار موظفيها وممثل عن وزارة العدل وعضوين من أعضاء الجمعيات ذات النفع العام من غير أعضاء الجمعية محل النظر في حلها وتصفيتها يختارهما الوزير. ويحق لخمسة من أعضاء الجمعية الطعن في قرار الحل أمام القضاء (مادة47)[34].

وبمراجعة قانون الجمعيات يلاحظ أن هناك فجوة كبيرة بينها وبين الاتجاهات العالمية في التشريعات التي تهدف إلى تفعيل العمل التطوعي، فالمشرع وضع الجمعيات تحت يد السلطة المطلقة للسلطة التنفيذية، وشدد على عدم الاشتغال بالنشاط السياسي، وبالرغم من المتغيرات العديدة التي شهدتها المنطقة منذ العام 2011، والتطور الاقتصادي والاجتماعي الكبير في الامارات، إلا أن قانون عمل الجمعيات لم يتغير منذ أكثر من 13 عام، فالدولة متشددة وبطيئة في الترخيص لمنظمات المجتمع المدني، والسماح لو بالحدود الدنيا بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني في العمل السياسي.

فالدولة تسمح قانوناً بالجمعيات والتنظيمات المدنية ولكنها في الوقت نفسه تضع من القيود والتنظيمات القانونية والإدارية مما يجعل لها اليد الطولي في مراقبة هذه المنظمات أو حلها أو تحديد مجال حريتها وحركتها، وتشمل هذه القيود التي تفرضها الدولة على المجتمع المدني قيوداً تشريعية وإدارية وسياسية، وفي النهاية تتجمع الأسباب التي تؤثر على فاعلية تنظيمات المجتمع المدني وتجعل مشاركتها هامشية ومحدودة، فالدولة ترى أن من حقها وسلطتها أن تمنح أو تمنع كما تريد، وفي الأخير تبقى مؤسسات المجتمع المدني مجرد منحة من الدولة، وبالطبع من حق المانح أن يمنح عطاياه أو يسحبها ويمنعها وقتما يشاء وكيفما يشاء.

وخير مثال على تحكم الدولة الكامل في ترخيص جمعيات النفع العام حسب رؤيتها ودون ضابط قانوني، حينما تقدم الحقوقي الدكتور محمد الركن "المعتقل حالياً" طلب ترخيص جمعية حقوق الإنسان وتم تجميد الطلب رغم أنها أول مجموعة تتقدم بهذا الطلب، ثم قامت الحكومة بالتنسيق مع مجموعة أخرى لتتقدم بطلب ويتم ترخيصها وهو ما تم بالفعل، وهذا يكشف عن سعي الدولة المستمر لوضع كافة الجمعيات والناشطين تحت سيطرتها ووفق رؤيتها فقط.

المطلب الثالث: العلاقة بين المجتمع المدني والدولة

تعد الاستقلالية النسبية عن الدولة من أبرز خصائص المجتمع المدني، وقد أكدت العديد من الدراسات على أن الحديث عن تقوية المجتمع المدني وتعزيز دوره لا يعني بحال من الاحوال إضعاف دور الدولة، فالمجتمع المدني الفعال لا يوجد إلا في إطار دولة قوية ديمقراطية تستقطب الولاء الأسمى لمواطنيها استنادا إلى مبادئ المواطنة وسيادة القانون، وتستند الى مؤسسات راسخة تؤكد قدرة الدولة على أداء وظائفها بفاعلية، والحديث عن دولة قوية بهذا المعنى لا يعني إضعاف المجتمع المدني إذ أن وجودهما معا يحقق الاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي والاجتماعي فيما يؤدي غيابهما معا أو غياب أحدهما إلى شيوع مظاهر التسلط والاستبداد ووجود حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.

ولكن في إطار دولة الإمارات، سعت السلطة الحاكمة إلى فرض سيطرتها المطلقة على مؤسسات المجتمع المدني، فتقوم الدولة بممارسة درجات متفاوتة من السيطرة على تنظيمات المجتمع المدني من خلال الكثير من القيود والضوابط القانونية والادارية والتنظيمية والمالية والأمنية التي تفرضها النظم الحاكمة على هذه التنظيمات حتى تظل حرية حركتها داخل الحدود التي ترسمها السلطة، فقد انتهجت الدولة كلا اليدين الناعمة والخشنة في مواجهة أي خروج عن الإطار المرسوم، فمارست القيود القانونية، وسياسة حل الجمعيات بل والاعتقال لأعضاء هذه الجمعيات.

كما تستخدم الدولة أساليب أخرى لضمان فرض نوع من السيطرة على المجتمع المدني وتتضمن هذه الاساليب عنصر التمويل اذ تسهم الدولة في العديد من الحالات في تمويل أنشطة بعض هذه التنظيمات الأمر الذي يدعم قدرة الدولة على التأثير في أنشطتها وأدوارها[35].

كما مارست السلطة السياسة الخشنة حيث قامت بحل الجمعيات الخارجة عن السيطرة بل واعتقال قادتها ومؤسسيها، كما حدث مع جمعية الإصلاح التي تأسست في العام 1974، والتي حرصت في طلب الإشهار الخاص بها التأكيد على كونها حركة إماراتية دعوية اجتماعية خيرية، وبجانب النشاط الخيري والاجتماعي، أولت جمعية الإصلاح اهتماماً واضحاً بالجانبين السياسي والتربوي، ونجحت في اكتساب ثقة ودعم حكام الامارات، فشاركت في الحكومات خلال الفترة من 1971 وحتى عام 1983.

غير أن ذلك لم يحل دون وقوع صدام بين النظام وجمعية الإصلاح، كانت أولى المؤشرات عليه قرار الحكومة في أكتوبر 1988 وقف مجلة الإصلاح الناطقة باسم الجمعية عن الصدور مدة ستة أشهر وحتى أبريل 1989، واستمر ذلك النهج حتى عام 1994، حيث تعرضت فروع الجمعية في دبي والفجيرة ورأس الخيمة إضافة إلى جمعية الإرشاد في عجمان لتقليص أنشطتها الداخلية والخارجية، أتبعتها بقرار حل مجلس إدارتها، وإسناد الإشراف على فروع المؤسسة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، كما حظرت الحكومة النشاط السياسي لأعضاء الجمعية ومنعتهم من تقلد المناصب العامة.

الجدير بالذكر أنه تم استثناء فرع الجمعية في رأس الخيمة من هذه القرارات الوزارية، إلا أنه كان عليها الحد من نشاطها الخارجي أيضًا في حين بقي حاكم رأس الخيمة – الشيخ صقر القاسمي – والذي كان من المتعاطفين مع الجمعية، ورفض حل مجلس الجمعية؛ إلا أنه في النهاية، نجحت الحكومة في فرض سياستها بالكامل تجاه الجمعية، وتم اعتقال الشيخ سلطان بن كايد القاسمي– رئيس الجمعية– " ابن عم حاكم إمارة رأس الخيمة. سعود بن صقر "عام 2012 في حملة الحكومة الموسعة ضد الجمعية والناشطين الإصلاحيين.

وفي العام 2011 قامت السلطات الإماراتية بحل جمعيتي المعلمين والحقوقيين، وتم اعتقال عدد من الناشطين بتهم الانتماء إلى تنظيمات محظورة لها ارتباطات بالخارج، وذلك بسبب التوقيع على بيان علني يدعو إلى مزيد من الديمقراطية في البلاد، وكان هذا آخر عهد الإمارات بمؤسسات مجتمع مدني نشطة وفعالة وليست ديكور سياسي.

هذه محطة من محطات الصراع بين الدولة وإحدى جمعيات النفع العام، والتي استطاعت الحكومة بعدها بفرض السيطرة الكاملة على مؤسسات المجتمع المدني.

"إن جوهر مشكلة المجتمع المدني في الإمارات تتركز في انتشار سلطة الدولة في كل مجالات الحياة المجتمعية مما يجعل من هذه السلطة أداة مراقبة مستمرة وعائقاً أمام إمكانية تحرير الأفراد واستقلال التنظيمات الاجتماعية، والحقيقة إن ذلك لا يعنى تقوية الدولة فالصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها والمجالات والاختصاصات التي تمتلكها والطموحات الزائدة لاحتلال كل المواقع، إضافة إلى أجهزتها وآلياتها المتنوعة قد يخفي ضعفاً جوهرياً ووجوداً هشاً للدولة، ففي وسط متخلف من المستبعد أن يعني وجود الدولة في كل مكان أنها بالفعل قوة حقيقية"[36].

المطلب الرابع: الإمارات في مؤشرات الحرية

لسنوات طويلة ماضية، جاءت الإمارات في المراتب الأخيرة في مؤشر الحريات العالمية

حرية الصحافة

جاءت الإمارات في المرتبة 131 عالميا، والـ 8 عربياً من التصنيف العالمي لحرية الصحافة لـعام 2021، بينما احتلت دول مثل تونس المرتبة الأولي عربياً (المركز 73 عالمياً)، وجزر القمر ثانياً (المركز 84)، وموريتانيا ثالثاً (المركز 94) الكويت 105 وأفغانستان 122 وزامبيا 115.

ووفقاً لتقرير" صحفيون بلاحدود" فقد أصبحت الإمارات خبيرة في المراقبة الإلكترونية للصحفيين، الذين بات يستهدفهم النظام بشكل منتظم عبر قانون الجرائم الإلكترونية، إذ يجد الإعلاميون والمدونون أنفسهم تحت مجهر السلطات بمجرد إدلائهم بتعليق ينطوي على شيء من الانتقاد، فعادة ما يُتهمون بالتشهير أو إهانة الدولة أو نشر معلومات كاذبة بهدف تشويه سمعة البلاد، حيث تنتظرهم أحكام قاسية بالسجن لفترات طويلة علماً أن هناك من يتعرضون لسوء المعاملة أثناء احتجازهم. صحيح أن حرية التعبير مكفولة بموجب دستور البلاد، لكن بإمكان النظام الحاكم فرض الرقابة على منشورات محلية أو أجنبية إذا كانت تنطوي على أي انتقاد للسياسة الداخلية أو العائلات الحاكمة أو الدين أو علاقة الدولة بحلفائها أو الاقتصاد المحلي، وذلك بموجب قانون المطبوعات والنشر لسنة 1980[37].

 

مؤشر الحرية

حصلت الإمارات على 17/100 عالميا، والـ 13 عربيا، بتصنيف غير حرة والـ 5 /40 في الحريات السياسية والـ 12/60 في الحقوق المدنية، على مؤشر الحرية الذي يصدره سنوياً "منظمة فريدم هوس"[38]، وفى حرية الانترنت جاءت في وفي حرية الانترنت 29/100، بتصنيف غير حرة، وفي عقبات أمام الوصول حازت على 12/25، تحديد المحتوى 10/35، وانتهاكات حقوق المستخدم 6/40[39].

وينقسم مؤشر الحرية إلى 3 مستويات، دول ذات حرية، ودول ذات حرية جزئيا، ودول غير حرة، إذ كلما زادت قيمة المؤشر فهذا يعني أنها أكثر حرية.

مؤشر الحرية الاقتصادية

يعد مؤشر الحرية الاقتصادية هو الوحيد المرتفع، حيث حصلت على درجة 76.9 بحسب المؤشر، ما يجعل اقتصادها يحتل المرتبة الـ 14 الأكثر حرية في العالم في مؤشر الحرية الاقتصادية للعام 2021. وقد زادت نتيجتها الإجمالية بمقدار 0.7 نقطة عن العام الماضي، ويرجع ذلك أساساً إلى تحسن الصحة المالية[40].

وهذا يفسر ما طرحناه سابقاً من أن الإصلاح لدى حكام الإمارات انحصر فقط في الإصلاح الاقتصادي وربما يرجع ذلك إلى سعى الحكام محاولة تجاوز الانتهاكات الحقوقية وتجميد العمل المدني من خلال طرح نموذج الليبرالية الاقتصادية التي يهتم لها الغرب أكثر من الديكتاتورية المطلقة التي يمارسها النظام على مواطنيه.

المبحث السادس: كيف يؤثر نموذج الاقتصاد الريعي على قدرة الدولة على الهيمنة الاقتصادية والسياسية على المجتمع؟

مثل اكتشاف النفط منذ 1958 وبدء تصديره 1962 مرحلة هامة ومؤثرة في تاريخ الإمارات، فمع اكتشافه تحولت الدولة من دولة فقيرة محدودة الموارد تعتمد على استخراج اللؤلؤ إلى دولة نفطية أو ما يطلق عليها علماء السياسية في العصر الحديث دولة ريعية، وبدأ ظهور الاهتمام بفكـرة الريـع فـي الدراسـات الاقتصادية، مع "صعود" دول النفط العربية في أعقاب الارتفاع الكبير والمفاجئ في أسعار النفط التـي جاءت على إثر اندلاع حرب رمضان عام 1973.

المطلب الأول: مفهوم الدولة الريعية

أطلق عالم الاقتصاد الإيراني حسين مهداوي مفهوم الدولة الريعية العام 1970 وقام آخرون، من بينهم جياكومو لوتشياني، بتطويره وتطبيقه على الدول الناشئة في الخليج العربي.

وقد جاء التفسير لطبيعة السلطة السياسية معتمداَ على أن النظام الاقتصادي في دول الخليج ومنها الإمارات ولّد دولة ريعية لا تفرض الضرائب على مواطنيها، بل تقوم على عكس كل دول العالم، بالالتزام بإدماجهم في مؤسسات الدولة، وهو شيء يشبه عملية رشوة سياسية، أسر حاكمة تحتكر السلطة السياسية والهيمنة على مقدرات الدولة، مقابل ضمان الوظائف والخدمات الاجتماعية، ومجتمعات تستقبل هذه الخدمات لا كحقوق مواطنة بل كهبات من الدولة تقوم مقابلها بالصمت عن إطلاق يد الحاكم ليتصرف على هواه.

والظاهرة التي تسترعي انتباه مهداوي في تطبيقه لمفهومه هي أن:

"الإسهام الأساسي لقطاع النفط يكمن في تمكين حكومات البلدان المصدّرة للنفط من الإقدام على برامج إنفاق عام كبيرة دون الحاجة لفرض الضرائب، ودون الوقوع في عجز في ميزان المدفوعات أو مصاعب تضخمية، وهو ما تعاني منه الدول النامية الأخرى. هذا لا ينتج بالضرورة نظاماً اشتراكياً لكن يمكن له أن يتحول إلى ما يمكن اعتباره دولانية محظوظة: إذ تصبح الحكومة عاملاً مهماً بل وحاسماً في الاقتصاد"[41].

ويربط حازم الببلاوي مفهوم مهداوي بالقبلية حين يعلن بأن "التراث القبلي الطويل المتسم بشراء الولاء والإخلاص تعزز عبر أُعطيات الدولة التي توزع المنافع والمنح لسكانها"، والتي يتم توظيفها بحسب تعبير روجر أوين في شراء الشرعية من خلال الإنفاق العام بالإضافة إلى الأعطيات الممنوحة لأغراض كسب الولاء الشخصي. ويضرب أوين الأمثلة على مثل هذه الأنشطة: بالأعطيات النقدية (الشرهات)، بشراء الأراضي المملوكة للأفراد بأسعار كبيرة، وبوسائط مؤسساتية من خلال خدمات دولة الرفاه، ابتداء بالتعليم المجاني والرعاية الصحية وانتهاء بدعم أسعار الكهرباء والماء والسكن بالإضافة لذلك يرى أوين أن التوسع الديواني (البيروقراطي) والاقتصادي أتاح فرصاً أكثر لحيازة الرّضى الشعبي من خلال توفير الوظائف والقروض وإمكانية الدخول في مضمار واسع من الأنشطة الرابحة.[42]

ويعرف الدكتور حازم الببلاوي الاقتصاد الريعي بقوله" عندما نصف اقتصاد بأنه ريعي، فإننا نشير عادة إلى الأوضاع التي تغلب عليها عناصر الريع الخارجي، ونعتقد أن المصدر الخارجي للريع يعتبر أمرا أساسيا في تحديد مفهوم الاقتصاد الريعي، لأن الريع الخارجي وخاصة إذا كان مهما بالنسبة للناتج القومي فإنه يشير إلى تحويلات من القطاع الخارجي دون أن يفترض وجود قطاعات إنتاجية محلية مهمة، ولذلك نستخدم اصطلاح الاقتصاد الريعي بشكل أساسي للأحوال التي يلعب فيها الريع الخارجي دورا أساسيا في الحياة الاقتصادية[43].

ويجمع منظرو الدولة الريعية على أن نشاطات الدولة الريعية تخلق حالة من الخضوع لدى المواطنين، فهؤلاء لا يرون أهمية للفوارق في توزيع الثروة، ولا تمثل هذه الفوارق حافزاً كافياً لمحاولة تغيير النظم السياسية، ويكمن الحل بالنسبة للفرد الذي يشعر بالغبن لمشكلاته أساساً في المناورة لحيازة منافع أكبر بواسطة النظام القائم وليس في التعاون مع آخرين يعيشون حالته نفسها لأجل التغيير، وينحط الحراك السياسي لذلك في هذه المجتمعات ليصبح لا أكثر من دسائس يتم تدبيرها بين الحاشية في دواوين الحكومة، فهناك تدور فكرة "صراع العروش" ولكن في دائرة محدودة جداً، وربما داخل العائلة الحاكمة فقط، وبشكل مماثل يعلن الببلاوي بأنه مع عدم وجود ضرائب تُذكر فإن المواطنين أقل إلحاحاً نحو المشاركة السياسية[44].

فنظرية الدولة الريعية تقوم على فكرة أنَّ الدولة ليست مضطرة لمنح أي نوع من الحريات الاجتماعية والاقتصادية أو السياسية لمواطنيها لأنهم غير منتجين، ويعتمدون في كل حياتهم على الدولة وعطاياها لاستمرار حياتهم ورفاهيتهم، فالدولة الريعية ليست دولة جباية ضرائب بل دولة مانحة تعطي المواطن من عائدات البترول، إذن المواطن ليس لديه وسيلة ضغط للتغيير كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية والتي يكون فيها التمثيل مقابل الضرائب.

فالشعار الذي أطلقه باترك هنري في بدايات الثورة الأميركية 1765 «لا ضرائب من دون تمثيل» هو الذي مثَّل جوهر النظرية الريعية، وبما أنَّ هذه المعادلة غير موجودة في دول الخليج -وحسب النظرية الريعية-فمن الصعوبة أن تكون هناك فرصة لوجود مشاركة سياسية وممارسة حقوق المواطنة كاملة إلا بنهاية الاقتصاد الريعي.

فمع تثبيت أعمدة الدولة الريعية في منطقة الخليج عموما، تدفَّقت عوائد النفط للسلطة المركزية ما أسهم في تحوُّلات اجتماعية وسياسية كبيرة. يُشير الباحث والأكاديمي البحريني عمر هشام الشهابي إلى أن بروز الصناعة النفطية وتكتُّل عوائدها بيد النظام السياسي المُتحكِّم فيها شكَّلا العنصران الرئيسيان اللذان أدّيا إلى إعادة تركيب المجتمع بطريقة جذرية كلّيا، وكان لمَن يتحكَّم في إيرادات الصناعة النفطية ورؤوس الأموال الناجمة عنها النفوذ الأكبر في تشكيل سمات المجتمع الأساسية[45].

ونتيجة لذلك، وكما يُشير الشهابي، فإن النظر بمَن يتحكَّم في رؤوس الأموال وآلية تدفُّقها يقودنا إلى معرفة الكيفية التي يتشكَّل بها المجتمع حولها. فعلى الصعيد الداخلي، أدَّت إيرادات النفط إلى فكّ الاعتمادية التاريخية بين مُتَّخذي القرار وباقي شرائح المواطنين (شيوخ القبائل، التُّجّار، رجال الحرب، إلخ)، وأصبح في إمكان مُتَّخذي القرار استعمال هذه الإيرادات لتشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وأجهزة الدولة الرسمية بطريقة تخدم مصالحهم.

أحد النتائج المهمة للنظرية الريعية كما يرى الباحث نجم آبادي يتمثل في أن المجتمع المدني قد أسقط مطالبه عن الدولة، لأنه لا يرى من حقه التأثير في السياسة. كما أن الدولة نجحت بشكل ما في التخلص من وشائجها المدنية. هذه الاستقلالية عن المجتمع المدني مرتبطة بمداخيل النفط الكبيرة المدفوعة مباشرة للدولة[46].

المطلب الثاني: النفط في خدمة الاستبداد (الإمارات نموذج)

أجمع علماء السياسية على أن النفط لم يتوقف في علاقته بالجانب الاقتصادي، بل تعداه إلى علاقته وتأثيره بالتطور السياسي، فقد استخدمت النظم السلطوية الموارد الهيدروكربونية للحؤول دون حصول تحوّل ديمقراطي من خلال مجموعة من الآليات مثل: الأثر الضريبي، وتكوين المجاميع، وتأثير الإنفاق، والقمع.

فقد كشفت بعض الدراسات كيف أن وفرة الثروة النفطية يمكن أن تضعف وتؤثر على النمو الديمقراطي؛ فاستنادا إلى الأبحاث التي أجراها مايكل رووس في عام 2011 بجامعة كاليفورنيا باستخدام التحليل الإحصائي لـ 113 دولة بين عامي 1971و1997 وجد أن اعتماد الدولة على أي من الصادرات المعدنية يجعلها تميل إلى أن تكون أقل ديمقراطية، لذلك يرى أن الدول الغنية بالموارد الطبيعية هي أقل احتمال بأن تصبح ديمقراطية مقارنة بتلك الفقيرة بالموارد[47].

 وفي السياق نفسه، قدم توماس فريدمان دراسة بعنوان "القانون الأول للسياسات النفطية"، والتي يرى فيها أن هناك علاقة ارتباط بين سعر النفط ووترية استدامة الحريات السياسية والإصلاحات الاقتصادية.

ويفترض هذا القانون ما يلي: يتحرك سعر النفط ووترية الحرية دائما في اتجاهين متعاكسين في الدول الغنية بالنفط؛ فكلما ارتفع متوسط سعر النفط الخام العالمي، تتعرض حرية التعبير والصحافة والانتخابات الحرة واستقلال القضاء وسيادة القانون للتآكل وعلى العكس من ذلك، فانخفاض أسعار النفط يدفع الدول النفطية نحو نظام سياسي ومجتمع أكثر شفافية وتركيزا على بناء القانون والهياكل التعليمية التي من شأنها تعظيم قدرة شعوبها، وبحسب فريدمان، فإن الدول التي يشكل النفط الجزء الأكبر من صادراتها أو الناتج المحلي الإجمالي مع وجود مؤسسات ضعيفة أو حكومات استبدادية هي التي تخضع "للقانون الأول للسياسات النفطية"[48].

وضع مايكل رووس في تحليلاته آليات شكلت العلاقة بين الوفرة النفطية وغياب الديمقراطية وهي:

الأثر الضريبي: ففي حين تقود الضرائب عادة إلى إقامة المجالس التمثيلية، يرى ج. لوشياين أن الريوع النفطية تكرس هذه الصلة ّ لذلك فـإن جمع الضرائب لا يصبح من ضمن أجندة الدولة واهتماماتها، واستنادا إلى ذلك، فإن الحكومة تتحرر من المحاسبة والمساءلة إلى درجة تمكنها من أن تصبح مستقلة عن المجتمع، ما يثبط المشاركة السياسية. ومن هنا جاء شعار الثورة الأمريكية "لا ضرائب من دون تمثيل". أما شعار الدول النفطية الاستبدادية فهو "لا تمثيل من دون ضرائب"

تأثير الإنفاق: يوفِّر الحصول على المداخيل النفطية للدولةّ إمكانية جلب رضا الرأي العام؛ إذ إن توجيه خزينة الدولة نحو الإنفاق الجاري أو حتى الإنفاق على التوظيف قصير الأمد لا يوفِّر الإمكانية للإنفاق على البنى التحتية. كما أن الدولة تستطيع عن طريق زيادة الإنفاق الجاري إيجاد فرص عمل كاذبة والتستر على البطالة المقنعة.

تأثير القمع: يمكن لعوائد النفط أن تنفق بشكل مفرط على النفقات العسكرية وعلى الشرطة والأمن الداخلي والاستخبارات التي يمكن أن تستخدم لخنق الحركات الديمقراطية.

تكوين المجاميع: ويجري ذلك عبر تقديم الامتيازات والتسهيلات المالية. كما من شأن ذلك أن يقف حائلاً أمام التنظيمات المستقلة عن الحكم، وفي الوقت نفسه تنظم الدولة أنصارها في إطار أجهزتها ليأتمروا بأمرها.

 لذلك من الصعب تشكيل مجتمع مدني مستقل عن الحكم، فكل فروع المجتمع المدني مثل الأحزاب والمؤسسات المدنية وغير الحكومية هي منظمات شكلية ليس لها القدرة على المساءلة والشفافية في العلاقات الاجتماعية والقيام بالرقابة على مؤسسات الحكم[49].

وبناء عليه، "فالقاعدة التي يمكن استخلاصها هي أن الدول النفطية هي أقل احتمالًا مع أن تصبح ديمقراطية؛ فالعلاقة بين تطور الديمقراطية تتماشي عكسياً مع ازدياد صادرات النفط؛ أي أنه كلام ازدادت المداخيل النفطية للدول المنتجة للنفط، تصاب العملية الديمقراطية بالخلل وتتراجع الحريات السياسية. ويرجع هذا إلى استخدام الريع الناتج من النفط للحؤول دون قيام إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية من شأنها أن تؤدي إلى تفعيل المشاركة السياسية للمواطنين في توجيه سياسات حكوماتهم"[50].

لكن اللافت أن الدول الريعية تشترك فيما بينها في أن الحزمة تمثل "امتيازات" تمنحها الدولة إلى رعاياها، ونادرًا ما ترقى إلى مستوى "حقوق" تُمنح إلى المواطنين، الامتيازات هي منافع يستفيد منها صاحب الامتياز، لكن ليس على السلطة واجب تأديتها، بل يُمكن سحبها عن فرد معين أو مجموعة، أو عن الجميع إذا ارتأت السلطة ذلك. أما الحقوق فمصانة وتفرض واجبات على الدولة لتأديتها، ولا تستطيع الدولة تجريد أي مواطن منها من دون سند قانوني دستوري. بينما المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، فإن الرعايا غير متساوين في الامتيازات، بل تباين الامتيازات هو منطق الدولة الريعية في دفع الرعايا إلى التنافس فيما بينهم على كسب ود السلطة والحاكم[51]. وهذا النموذج هو الأقرب للنظام الإماراتي، الذي وظف سياسة المنح والمنع لحماية سيطرته على الدولة ومقدراتها.

وكان للريع النفطي تأثير بالغ على العلاقة بين السلطة في الإمارات ومجتمعها وعلى ديناميات العملية السياسية برمتها، فقد أدى حصول الدولة على الريع النفطي الضخم إلى تحررها من الاعتماد على مصادر الإنتاج المحلية من أجل عائداتها ومنحها درجة عالية من الاستقلال الاقتصادي والسياسي عن القوى المحلية المنتجة والفئات الاجتماعية وجعل النظام الاقتصادي والاجتماعي بأكمله يعتمد على إنفاق الحكومة، وهذا منح السلطة الحرية التامة في ممارستها دونما أي ضغوط مجتمعية.

كما أعطى هذا الريع الدولة القدرة على بناء أجهزة بيروقراطية لتوزيع المنافع على المجتمع والسيطرة على النشاط السياسي، وأصبحت الدولة أكثر قوة في مواجهة المنافسين أو المعارضين بالداخل، وبذلك غدت الدولة أقوى من مجتمعها، ومنحتها هذه الدرجة العالية من الاستقلال النسبي الحرية في اختيار مكونات السلطة من الفئات الحليفة لها والمرتبطة مصالحها بالسلطة.

 فما تحقق في الإمارات هو نوع من المبادلة السياسية، حيث قبلت الجماعة التجارية والنخبة المجتمعية بالإقصاء السياسي مقابل تدعيم فرصتها الاقتصادية والتجارية، واكتساب المزيد من الامتيازات المادية والمعنوية.

لقد كان أبرز التغيرات التي ترتبت على قيام الدولة الريعية في الإمارات هي انسحاب النخب الاقتصادية ذات النفوذ التاريخي من الحياة الرسمية، فقد حررت العائدات النفطية الحكام من الاعتماد التاريخي على فئة التجار وأوقفت تطور العمليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وحفزت على ظهور ترتيبات لنخبة اقتصادية جديدة، فتخلى التجار عن نفوذهم السياسي الرسمي في سبيل ضمان البقاء الاقتصادي اي مقايضة السلطة بالثروة[52].

ومما سبق يعني أن دولة الإمارات، استطاعت كسب ولاء الفئات الاجتماعية فيها بواسطة سياساتها التوزيعية والوفاء باحتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية، كما أن سياسات الإنفاق الحكومي جعلت من الدولة رب العمل الأول والأخير بالنسبة لمواطنيها ومن ثم فإن أولئك المعتمدين في معيشتهم على الدولة سوف يكونون على الأرجح أكثر ترددا في القيام بأنشطة سياسية تهدد وضعهم المعيشي، فقد أتاح ريع النفط للدولة أن تحرف معظم المطالبات السياسية من خلال المنافع الاقتصادية او الوظيفية وتقليص المساحة الاجتماعية المتاحة للتنظيم السياسي عن طريق القيام بدور أكبر في مجتمعها.

لقد مكن الريع النفطي الدولة من اقامة علاقة مباشرة مع مواطنيها، ولكنها علاقة ذات اتجاه واحد من الأعلى إلى الاسفل، إذ تقدم الحكومة الخدمات لمواطنيها مقابل دفعهم الضرائب لهذه الحكومة، وفي دول مجلس التعاون وجدت مجموعة ضخمة من العائدات والمنافع متاحة للمواطنين بتكلفة بسيطة والمطلوب منهم فقط هو ابقاء نشاطهم السياسي في الحدود المرسومة من قبل الحكومة.

ويبدو أن هناك ازدواجية وتناقض واضح بين إدارة الملفين السياسي والاقتصادي، فبينما الدولة تسعى بشكل مستمر نحو اقتصاديات السوق المفتوحة وحرية الاستثمار وتشجيع رؤوس الاموال وهي السياسات المصاحبة لنموذج التجربة الديمقراطية الغربية، غير أن توجه الدولة نحو المشاركة السياسية كان مناقضا لتوجهاتها على الصعيد الاقتصادي أو بعبارة أخرى، قد شرعت للنشاطات الاقتصادية بآلياتها وثقافتها المنفتحة ولم تتحفظ على أي شكل من أشكال تناقضها مع التقاليد العربية والقيم الدينية إلا أنها على الصعيد السياسي عنيت أكثر بخلق سياسة رقابية صارمة تحول دون نمو الديمقراطية بشكل طبيعي أو أن تتواصل مع حركة النمو الشامل للمجتمع.[53]

المبحث السابع: كيف تصدت الدولة لدعوات التغيير منذ ٢٠١١، حتى الآن.

بالرغم من أن موجة الربيع العربي التي انطلقت 2011، لم تصل إلى الإمارات إلا بمعارضة ومطالب إصلاحية محدودة، إلا أن تعامل الدولة معها كان عنيفاً للغاية، فلم تكتف الدولة بالإجراءات القمعية داخل الدولة، بل تجاوزتها إلى الإقليم، وهذا يشير إلى مدى الخوف والهلع من وصول موجة التغيير إلى الإمارات، وربما هذا ينبئ عن يقين الدولة بمدى هشاشة النظام السياسي الإماراتي، وتآكل شرعيته، فالشرعية السياسية قضية جوهرية بالنسبة إلى أي نظـام سياسـي باعتبارهـا تجـسد ممارسته للسلطة استناداً إلى القبول الشعبي الطوعي، ولذلك فإنه عندما تتآكل شـرعية النظـام أو تنهار فإن ذلك يوسع من دائرة الرفض الشعبي له.

وكمحاولة لتجاوز مطالبات الإصلاح والتغيير، اعتمدت دولة الإمارات على إجراء تغييراتٍ مادّية، من إسكان ورواتب ومكافآت ملموسة وغير ملموسة، وتمّ تنفيذ هذه الإجراءات عبر ضخّ مليارات من الدّراهم في الميزانيّة، حيث قامت الحكومة بزيادة الرّواتب في القطاع الحكومي بنسب تصل إلى 100%[54]، وتم تسديد بعض الدّيون في خضم زيارات ميدانيّة من بعض المسئولين لأبناء الشعب، وخاصة في المناطق النائية والقبلية، وفي ظلّ حملة إعلاميّة رسميّة لدعم تلك الخطوات والثناء عليها.

 وعلى الجانب المقابل، تنوعت الوسائل الأمنية في إسكات الرأي العام وتضييق الحريات على الشارع الإماراتي، بين الاعتقالات المباشرة والإخفاء القسري وسحب الجنسيات وفرض قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية والتقاضي أمام المحكمة الاتحادية الغير قابلة للاستئناف، وتجميد الأرصدة والمضايقة على أهالي المعتقلين، والمنع من السفر، وملاحقة المقيمين الأجانب، وتحويل القضاء إلى جهات أمنية، وانتزاع الاعترافات تحت التعذيب، ومصادرة حق المعتقل بالمرافعة القانونية.

كما سعت الحكومة الإماراتية لمواجهة الشرعية المتآكلة بعدد من الخطوات أهمها:

أولاً: خلق وبناء أجهزة مدنية وأمنية وعسكرية.

ثانياً: زيادة برنامج الخدمات وتعميمها مثل زيادة الرواتب، وسداد بعض الديون، ولذلك أصبح الوجود الأمنـي والحكـومي للدولة مقترناً بوجود خدمات وبرامج الرفاهية الاجتماعية.

ثالثاً: تكريس سلطة حكام الإمارات من خلال تثبيت ذلك في الدساتير والنظم السياسية  

المطلب الأول: الإجراءات القانونية

عند الحديث عن انتهاك الحريات في ظل الحكم المطلق، ينبغي الوقوف على البنية القانونية، والذي تعتمد عليه الإمارات بصفة أساسية في إجراءاتها التعسفية ضد الإصلاحيين والمطالبين بالممارسة السياسية والتعبير الحر للمواطنين.

ففيما يتعلق بقوانين حرية التعبير ومكافحة الإرهاب، يعد قانون مكافحة الجرائم الإرهابية لعام 2014 القانون الأبرز الذي تتراوح غالب عقوباته بين الإعدام والسجن المؤبد، ووفقاً لهذا القانون أصدر مجلس الوزراء قائمة تضم عدداً من التنظيمات الإرهابية، أهمها جماعة الإخوان المسلمين الإماراتية دعوة الإصلاح (جمعية الإصلاح)[55]، يضاف لذلك قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2012[56] الذي يضم في مواده تجريم ومعاقبة من يستخدم شبكة الإنترنت لنشر معلومات أو صور أو إنشاء مواقع من شأنها السخرية من الدولة أو الإضرار بمكانتها ومؤسساتها أو الدعوة والترويج لمظاهرات بدون ترخيص أو التحريض والدعوة إلى عدم الالتزام بالقوانين والأنظمة، وفي عام 2018 شهد هذا القانون تعديلاً على المادتين 26 و28،[57] اللتين اتسمتا إجمالاً بتشديد العقوبات المفروضة.

ففي التعديل الذي أُدخِل على المادة 26 من القانون، تم تغليظ عقوبة إنشاء أو إدارة أو الإشراف على موقع إلكتروني أو "وسيلة تقنية معلومات لجماعة إرهابية أو مجموعة أو جمعية أو منظمة أو هيئة غير مشروعة" إلى السجن من 10 إلى 25 عاماً، بينما كان الحد الأدنى للسجن قبل تعديل المادة خمس سنوات، إضافة إلى مضاعفة مقدار الغرامات المالية المترتبة، فبعد أن كان الحد الأدنى للغرامة مليون درهم والحد الأقصى مليوني درهم، أصبح الحد الأدنى بعد التعديل مليوني درهم والحد الأقصى 4 ملايين درهم.

وبالنظر لقانون العقوبات الإماراتي نجد أن السلطات الإماراتية وظفت القانون من أجل التغطية على الانتهاكات الجسيمة لحرية الرأي والتعبير والإحالة دون النشاطات السياسية والحقوقية لمجتمع الإمارات المدني، والتي تنتهجها السلطات الرسمية ضد المواطنين الإماراتيين والأجانب المقيمين في الإمارات على السواء، في صورة تجعل الانتهاكات تبدو في إطار شرعي وقانوني.

وعند تتبع قانون العقوبات الصادر عام 1987، والمعدل بقانون اتحادي رقم 4 لسنة 2019، يمكن الوقوف على بعض الثغرات التي جعلت من النص القانوني سلاحا فضفاضا في يد الدولة الأمنية بما يمكنها من قمع التوجهات والآراء المخالفة للنظرة السياسية الحاكمة لدولة الإمارات.

فقد جاء في المادة "176" من قانون العقوبات أنه "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا تزيد على خمس وعشرين سنة والغرامة كل من أهان رئيس الدولة"، كما نصت المادة "176" مكرر على أنه "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا تزيد على خمس وعشرين سنة والغرامة التي لا تقل عن خمسمائة ألف درهم كل من سخر أو أهان أو أضر بسمعة أو هيبة أو مكانة الدولة أو علمها أو شعارها الوطني أو رموزها الوطنية أو أي من مؤسساتها" والنص الماثل أمامنا، جعل شكل الإهانة فضفاضة دون أن يحدد ما يمكن اعتباره إهانة من عدمها، مما يطلق يد القضاء بإصدار أحكام الحبس في حق كل من يُصدر نقده لرئاسة الدولة على أن يتم اعتبار النقد إهانة للرئيس يجرمها القانون، كما أن المادة رقم 8 من القانون ذاته، فتحت الباب على مصراعيه ليشمل تطبيق الحكم لكل من يهين نائب رئيس الدولة وأعضاء المجلس الأعلى للاتحاد وأولياء العهد ونوابهم.

كما نصت المادة "174" صراحة بأنه "يعاقب بالإعدام كل من شرع بالقوة في قلب نظام الحكم أو الاستيلاء عليه" ويمكن القول أن المادة تعاقب الانقلابات العسكرية داخل الدولة، ولكن إلحاقها بالمادة رقم 180 "يعاقب بالسجن المؤقت كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار جمعية أو هيئة منظمة أو فرعا لإحداها تهدف إلى قلب نظام الحكم في الدولة أو إلى الترويج له متى كان استعمال القوة ملحوظا في ذلك".
فقد تجاوز القانون مفهوم الانقلاب العسكري إلى توسيع صلاحيته بإدراج النداءات الإصلاحية ونشاطات المؤسسات الضاغطة تحت مفهوم قلب النظام عسكريا، بعد إدخال كلمة القوة الملحوظة غير المفهومة مقارنة بصراحة مفهوم القوة في المادة"174".

ونصت المادة رقم 197 “يعاقب بالحبس كل من حرض غيره بإحدى الطرق العلنية على عدم الانقياد للقوانين” مع أن عدم الانقياد للقوانين يعد شكلا من أشكال الاعتراض السلمي الذي تستعمله الشعوب الحرة في الدول الديمقراطية، كما أن القانون ذاته يحمل بذور الاستبداد بفرض لطاعة القانون بالقوة دون اعتراض. [58]

المطلب الثاني: الإجراءات الأمنية

مع بداية العام 1994م، بدأ التضييق على نشاط مؤسسات المجتمع المدني، وتمّ إغلاق الجمعيّات ذات التّوجه الإسلامي، مثل جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي، وانطلقت شرارة حملة القمع غير المسبوقة في الإمارات عقب قيام 133 شخصا بتقديم عريضة في مارس[59]2011، موجهة إلى رئيس الدولة والمجلس الاتحادي الأعلى، وطالب الموقعون السلطات بمجلس وطني منتخب يشارك فيه جميع أبناء الإمارات وله صلاحيات تشريعية ورقابية.

وبدأت حملة القمع في إبريل 2011 عندما قام جهاز أمن الدولة باعتقال خمسة ناشطين عرفوا باسم "الإماراتيون الخمسة"، وضمت مجموعة الناشطين هذه أحمد منصور الناشط البارز في حقوق الإنسان، وناصر بن غيث، الاقتصادي والمحاضر الجامعي. ولاحقت السلطات الرجال الخمسة بتهمة "الإساءة العلنية" لرئيس الدولة ونائبه وولي عهده في تعليقات نشرت على أحد منتديات النقاش عبر الإنترنت، وهو المنتدى الذي قامت السلطات بحجبه، وأدين الخمسة في نوفمبر2011، عقب محاكمة لم تلب المعايير الدولية المعتمدة على صعيد المحاكمات العادلة وحكم عليهم بالسجن لمدد مختلفة، وفي 5يوليو 2012، أبعدت السلطات إلى تايلند أحد هؤلاء الخمسة وهو أحمد عبد الخالق، المدون والناشط.

كما صبت الحكومة جام غضبها على المنظمات غير الحكومية المستقلة التي أصدرت دعوات تنادي بالتغيير. ففي عام 2011، حلت السلطات مجلسي إدارة جمعية الحقوقيين، وجمعية المعلمين، وكانت الجمعيتان قد وقعتا على رسالة مشتركة موجهة من مجموعة من المنظمات عير الحكومية إلى الحكومة مطالبة إياها ببعض الإصلاحات وبإقدامها على هذه الخطوة، قوضت السلطات من استقلالية المؤسستين وأرسلت تحذيرا لباقي المنظمات غير الحكومية تنذرها بوجوب الخضوع للنظام أو المخاطرة بتعريض نفسها لإجراءات وتدخلات حكومية مماثلة.

 وفي عام 2012، أغلقت الحكومة 10 مكاتب فرعية تابعة لمنظمات أجنبية بما في ذلك منظمتين مناصرتين للديمقراطية متهمة إياهما بمخالفة شروط رخص مزاولة نشاطيهما ورفضت تجديد رخصة مزاولة منظمة خامسة.

وبالرغم من أن الدستور الإماراتي حفظ حق الجنسية مؤكداً عليه في نص المادة الثامنة على أنه (يكون لمواطني الاتحاد جنسية واحدة يحددها القانون ويتمتعون في الخارج بحماية حكومة الاتحاد وفقاً للأصول الدولية المرعية، ولا يجوز إسقاط الجنسية عن المواطن أو سحبها منه، إلا في الحالات الاستثنائية التي نص عليها القانون، كما وضع المشرع الإماراتي قانون الجنسية وجوازات السفر في ستة وأربعين مادة مقسمة إلى أربعة أبواب، إلا أنه في ديسمبر/ كانون الأول 2011، قامت السلطات بشكل تعسفي بتجريد سبعة من منتقدي الحكومة من جنسياتهم الإماراتية. وشملت قائمة ضحايا هذا الإجراء التعسفي أشخاصا من الذين وقعوا على عريضة مارس/ آذار 2011 .

كما شنت السلطات موجة جديدة من الاعتقالات مارس 2012، واستهدفت فيها العديد من الأشخاص ممن لهم علاقات مع جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي، وفي 15 يوليو، أعلن النائب العام في الإمارات العربية المتحدة أن أمن البلاد القومي قد تعرض لتهديدات من مجموعة من الأشخاص تجمعها علاقات "بمنظمات وأجندات خارجية" – في إشارة واضحة إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ثم قامت السلطات باعتقال عشرات آخرين بينهم المحامي البارز والمتخصص في حقوق الإنسان أستاذ القانون الدكتور محمد الركن بالإضافة إلى أعضاء مرموقين يحظون باحترام المجتمع من المنخرطين في مزاولة القانون وأساتذة الجامعات وزعماء الحركات الطلابية وناشطي المجتمع المدني.

ووفقاً لبعض التقارير الحقوقية فقد تجاوز عدد المعتقلين السياسيين داخل السجون الإماراتية 71 معتقلا، حتى يونيو 2017، حسب إحصائية-المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان-جنيف، وقد تراوحت مدة العقوبة من (3 – 10) أعوام داخل السجون، كما يقبع 9 من الناشطين وسجناء الرأي في السجن بالرغم من إكمالهم لمدد محكوميتاهم وعبورهم للتاريخ الفعلي لإطلاق سراحهم. وترفض السلطات الإماراتية الإفراج عنهم، مدعيةً أنهم يشكلون خطراً على الأمن القومي وبحاجة إلى إعادة تأهيل[60].

وانتقدت منظمة العفو الدولية هذه المحاكمة واعتبرت أن محاكمة "إمارات 94 "كانت في صميم حملة القمع التي شنتها السلطات ضد القائمين بالتعبير عن الآراء المعارضة والمطالبة بقدر أكبر من مشاركة العامة في الحكومة والإدارة في الإمارات وغير ذلك من الإصلاحات. وتمكنت السلطات بضربة واحدة من إزاحة أبرز منتقديها وكبار دعاة الإصلاح في البلد وأبعدتهم عن الساحة العامة في الوقت الذي أرسلت به أيضا بإشارات للمعارضين المحتملين الآخرين مفادها عدم تهاونها مع تنامي بروز حوارات سياسية منفتحة، التي تحظر تشكيل أحزاب سياسية أو توجيه الانتقادات علنا للمجموعة الصغيرة من الأسر الحاكمة التي تحتكر سلطة الحكم في الإمارات السبع[61].

كما أشارت "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها العالمي 2020 إلى أن سلطات الإمارات واصلت الاستثمار في استراتيجية "القوة الناعمة" التي تهدف إلى تصوير البلاد كدولة تقدمية ومتسامحة وتحترم الحقوق، لكن عدم تسامحها العنيف تجاه الانتقاد ظهر جليا عبر استمرار السجن الجائر للناشط الحقوقي البارز أحمد منصور، والأكاديمي ناصر بن غيث، ونشطاء ومعارضين عديدين آخرين، بعضهم أتم مدة عقوبته منذ ثلاث سنوات ولا يزال محتجزا دون أساس قانوني واضح، تحتجز السجون في جميع أنحاء الإمارات المحتجزين في ظروف مزرية وغير صحية ويسود فيها الاكتظاظ ونقص الرعاية الطبية الملائمة. مع بدء تفشي فيروس "كورونا"، تزايد خطر تعرّض المحتجزين وموظفي السجون للإصابة بالفيروس[62].

وقد صدرت في الآونة الأخيرة تقارير حقوقية لمنظمات عالمية وعربية تعبر عن تراجع مأساوي للحريات العامة في الإمارات، عبر عنها مراقبو حقوق الإنسان داخل الإمارات وخارجها بوصفهم الإمارات أنها دولة بوليسية، واتهموها باستخدام المحاكمات السياسية ضد المعتقلين.

المطلب الثالث: دولة التجسس

وظفت السلطة الحاكمة في الإمارات التقدم التكنولوجي الذي امتازت به خلال الآونة الأخيرة في مزيد من القمع والتجسس على مواطنيها سواء في الداخل أو الخارج، فعلى مدار الأعوام الماضية سعى ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد إلى إيلاء الجانب الأمني والاستخباراتي أهمية واسعة، باستقدام مئات الضباط الغربيين، ومنحهم أموالاً طائلة مقابل العمل على تأسيس جهاز استخباراتي إماراتي، وتدريب الضباط الإماراتيين على التجسس، كما قام بشراء أجهزة التجسس وتقنيات المراقبة، والدفع بنجله إلى رأس جهاز أمن الدولة "المؤسسة الأمنية الأولى"، ضمن مسعاه لتأسيس منظومة أمنية وتجسسيه تمنع نمو أي حركات احتجاجية.

وقد كشفت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، عن تنفيذ الإمارات عمليات تجسس سرية ضد مواطنيها من المعارضين السياسيين والحقوقيين والإنسانيين، باستعمال برنامج تجسس إسرائيلي نادر، وقالت المجلة إن الإمارات وظفت برنامج التجسس النادر الذي يسمح لها باستغلال الثغرات في الأجهزة الإلكترونية لشخصيات معروفة، مثل الناشط الإنساني أحمد منصور، من أجل تحويلها إلى آلات قوية للتجسس حول كل تحركات المعارضين للسلطة، أو الذين يشكلون أي نوع من أنواع الخطر المحتمل عليها.[63]

كما كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، عن استخدام الإمارات برامج تجسس إسرائيلية لمراقبة عموم الشعب الإماراتي، خاصةً الناشطين السلميين، وبالتحديد نظام "عين الصقر"[64].

كما تعد دبي وأبو ظبي من أكثر المدن المراقبة في العالم، ففي أبو ظبي وحدها هناك زهاء 20 ألف كاميرا أمنية منتشرة في المدينة لرصد 1.5 مليون شخص، بينما لدى دبي نحو 35 ألف كاميرا تراقب 2.8 مليون من سكانها"[65].

ونشرت شركة "يوغوف" البريطانية للدراسات نتائج استطلاع، يظهر أن غالبية سكان الإمارات يظنون أن هواتفهم الذكية تتجسس عليهم، وأظهر الاستطلاع، أن 55% من المقيمين يعتقدون أن أجهزتهم تتجسس عليهم، وخصوصاً هواتفهم الذكية، وتأتي الحواسيب الشخصية، وخصوصاً التي تحتوي على كاميرات، في المركز الثاني من حيث الاعتقاد أنها تستخدم في التجسس ومراقبة أصحابها، وقد وجدت الدراسة، التي أجريت في أبريل 2019، أن العديد من المقيمين لديهم مخاوف حول خصوصيتهم على الإنترنت، ويشعر نصف المستطلعة آراؤهم بالقلق من عمليات رفع الصور والمعلومات الخاصة بهم على النظم السحابية، حيث يشعرون أنها معرضة للرقابة.[66]

كما خلص تحقيق لوكالة "رويترز “إلى أن الإمارات استخدمت مجموعة من المتعاقدين الأمريكيين؛ لاستهداف حكومات منافسة ومعارضين ونشطاء حقوقيين، وشكل المتعاقدون، وهم ضباط مخابرات سابقون، الجانب الرئيسي من برنامج تجسس يدعى "مشروع ريفين"، وبحسب "رويترز" ذكر ضباط سابقون ووثائق للبرنامج أن المشروع استهدف أيضاً الأمريكيين وهواتف آيفون الخاصة بموظفي سفارات فرنسا وأستراليا وبريطانيا[67]،  كما كشفت وكالة "رويترز" عبر سردها لحكاية مسؤول سابق في المخابرات الأمريكية، قصة وكر التجسس الإماراتي الذي بات علامة مسجلة باسم أبناء زايد، حيث أسس هذا المسؤول وحدة تجسس داخل البلاد بطلب من حكام أبو ظبي[68].

هذه بعض الآليات والوسائل التي وظفها النظام الإماراتي لمواجهة مطالبات التغيير والإصلاح السياسي، ولكن هل ستكون هذه الآليات كافية لمنع أي حراك مستقبلي؟

المبحث الثامن: مدى قدرة الدولة على تجاهل مطالبات التغيير

بالرغم من النجاح النسبي الذي استطاعت به السلطة في الإمارات تجاوز تأثيرات موجات الربيع العربي، والذي اعتمد بصفة أساسية على توظيف الموارد المالية والنفطية بالإضافة إلى وسائل القمع، في خدمة أهداف السيطرة على المجتمع، تظل  المعضلة الأساسية التي تعاني منها دول الخليج العربية بصفة عامة والإمـارات بشكل خاص كما يرى بعض المحللين تتمثل فـي كـون مواطني دولة الإمارات قد تعودوا على أنماط حياة الرفاه واليسر، وعلى ذلك النوع من الخدمات المجانية المقدمة إليهم، فالتعود على مستويات عالية من المعيشة المـستندة إلى الدعم الحكومي تجعل المواطنين يعتقدون بأن هذه المستويات هي مكـسب اجتمـاعي وإنجـاز سياسي من الصعب التخلي عنه. فدولة الرفاه تظل معرضة لمخاطر عدم الاسـتقرار الـسياسي الناجم عن احتمالات فقدان نظام الحكم لشرعيته، حيث أن شرعية هذا النظام معتمـدة علـى إرضاء المواطنين من خلال الخدمات المقدمة إليهم عبر برامج الرفاه، وفي حالة تقلـيص هـذه الخدمات لأي سبب من الأسباب فإن ذلك قد يقود إلى شيوع حالة من عدم الرضا بين المواطنين واهتزاز شرعية النظام الحاكم، ومن ثم تعرض استقرارها السياسي للخطـر، لذا يواجه النظام الإماراتي تحديات عديدة قد تُحد من نجاحها في تجاهل مطالبات التغيير والإصلاح، من أهم هذه التحديات:

المطلب الأول: التراجع الاقتصادي

منذ أوائل السبعينات، وكنتيجة لوفرة الثـورة النفطيـة، أمكن للعائلات الحاكمة في دول المجلس فرض شروط عقد اجتماعي ضمني بينها وبين رعاياها تقتضي بأن يحصل المواطنون على منافع مادية جيدة مقابل ولائهم السياسي لهـذه العـائلات أو على الأقل قبولهم المهادنة السياسية معها.

هذه الشروط التعاقدية الافتراضية، كانت ترتكز علـى قاعـدة أساسـية هـي وجـود واستمرارية الدول الريعية المعتمدة على إيرادات النفط، ومع انخفاض أسعار النفط، بدأت الإمارات تواجه متاعب اقتصادية بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، وهو ما تجلى بوضوح في مؤشرات عديدة، مثل عجز الميزانية، وتدني معـدلات النمـو، وتزايد المديونية سواء الداخلية أو الخارجية، فشهدت الإيرادات تراجع حاد منذ منتصف الثمانينات، فتبلغ ميزانية 2021، 58 مليار درهم (15.8 مليار دولار)، وكانت الميزانية الاتحادية 61.35 مليار درهم (16.6 مليار دولار) للعام 2020، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يشهد اقتصاد الإمارات انكماشا هذا العام نسبته 6.6 في المئة، وأن يعود لنسبة نمو متواضعة بنحو 1.3 في المئة في العام المقبل[69].

وتشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي قد تقلص بنسبة 6.1% في عام 2020، وهو أول انكماش منذ 2011 على الأقل وفقاً للبيانات الواردة في بيان صادر عن وزارة الاقتصاد. وهذا أكثر بقليل من التوقعات الأولية لانكماش بنسبة 6%[70]، وتقدر وكالتا التصنيف "موديز" و"ستاندرد أند بورز" قروض البنوك المحلية لحكومة دبي بنحو 290 مليار درهم (79 مليار دولار)، يمكن أن يساوي عبء الديون نسبة 77% من الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام، وفقًا لوكالة "ستاندرد أند بورز"[71]، كما ارتفعت معدلات البطالـة، فقد بلغ ارتفع عدد المتعطلين من 165الف عامل عام 2018، الى 168 ألف عامل عام 2019، مع المحافظة على معدل البطالة بنسبة 2.2 %خلال عامي2018 و2019[72].

ونظرا لكل ذلك وغيره، لم تعد الدولة قادرة على الاستمرار في تمويل برامج الرفاهية كما كانـت تفعـل خلال فترة الطفرة النفطية، بل إنها اتجهت إلى تبني برامج للإصلاح الاقتصادي، وفرض بعض الرسـوم على السلع والخدمات التي كانت تقدم بصورة مجانية أو شبه مجانية، فضلاً عن اتجاه الحكومـات للتخفف من أعباء التوظيف .... الخ.

المطلب الثاني: المتغيرات الدولية

شهدت المنطقة العربية خلال الفترة الأخيرة متغيرات عديدة، فقد أسفر التوسع الإماراتي سواء في اليمن وليبيا ومصر وغيرها من الدول فبالإضافة إلى استنزاف مقدرات الدولة، وكان العامل الاقتصادي حاضرا بقوة في سياسة أبو ظبي الخشنة تجاه كل ما يتّصل بالثورات العربية، حيث وضعت الإمارات ثقلها المالي والأمني لإفشال الحركات الثورية وجهود الانتقال الديمقراطي، فعلى سبيل المثال أنفقت الإمارات ما يقرب من 14 مليار دولار فقط من أجل تثبيت حكم السيسي في مصر، في أعقاب انقلابه العسكري الذي أطاح بجماعة الإخوان المسلمين منتصف عام 2013.

كما تدخَّلت في اليمن أيضا لوأد الثورة خشية وصول "الإصلاح" للحكم وحفاظا على مصالحها في الجنوب، الأمر الذي دفعها لوضع ثقلها المالي والعسكري دعما للمجلس الانتقالي الجنوبي صاحب الأجندة الانفصالية[73]، أما في ليبيا فقد سخَّرت قوتها لخدمة الجنرال خليفة حفتر، وقدَّمت له الدعم المالي والعسكري في مواجهة حكومة الوفاق المُعترَف بها دوليا.

كل هذه التدخلات الخارجية والتجاوزات التي مارستها ضد حقوق الإنسان في الداخل والخارج، دفعت المؤسسات والمنظمات الدولية إلى فضح تلك التجاوزات ومحاولة الضغط على السلطة في الإمارات، بالتزامن مع تولي إدارة بايدن للسلطة في البيت الأبيض التي أعلنت أنها ستكون لها مواقف حادة مع انتهاكات حقوق الانسان، فبدأت الإمارات تخفض من دورها في الحروب الخارجية وتعيد تمركز سياستها الخارجية، بعد عقد من السياسات التي اتبعتها في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

المطلب الثالث: المعارضة الإماراتية

بالرغم من نجاح النظام الإماراتي في كبت صوت المعارضة في الداخل – حتى الآن-وملاحقة النظام الإماراتي للناشطين والمعارضين في الخارج، والنجاح في تقليص انتشار الحراك العلني، إلا أنه  مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي برزت ظاهرة "الحراك الكامن"، كما أن هناك صوت للمعارضة في الخارج بدأ يرتفع رويداً رويداً، فبدأ ينظم بعض الحملات التي تكشف انتهاكات النظام الإماراتي مثل حملة ضد قانون الجنسية الجديد، كما دشنت حملة لمواجهة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتم إطلاق فعاليات شعبية الكترونية تستهدف تأكيد الرفض الشعبي لمواجهة التطبيع.

لذا تواجه المعارضة الإماراتية تحديات عديدة أهمها:

بناء صف معارضة قوي – في الخارج على الأقل حالياً-وهيكلته في إطار مؤسسي، وتوحيد الجبهات والأفراد المعارضة، وبناء استراتيجية ورؤية واضحة للتواصل والتأثير في الداخل عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، واستغلال تطورات الوضع الإقليمي لمحاولة الضغط على النظام الإماراتي، التركيز على إظهار الأبعاد السلبية للسياسات التي تتبعها الإمارات، على الصعيدين الداخلي والإقليمي، ودورها السلبي في زعزعة استقرار المنطقة.

هذه المتغيرات تشير إلى أن وضع النظام الإماراتي ليس كما كان منذ سنوات سابقة، فالمؤشرات تبرز صوت للمعارضة وإن كان محدوداً حالياً إلا أنه مع المتغيرات الجديدة التي تشهدها المنطقة قد يبدو أقوى مستقبلاً، فمع تزعزع قوة النظام الاقتصادية والتي سيكون لها انعكاسات على القبضة الأمنية، لذا فإن وسائل هيمنة النظام الإماراتي على الشعب تضعف رويداً رويداً، ولكنها مازالت قوية لمنع أي حراك في المدى القريب.

المطلب الرابع: التباين بين حقوق المواطنين

بالرغم مما يبدو عليه اتحاد الامارات كأنه اتحاد مستقر ومتماسك، إلا أنه توجد العديد من نقاط الضعف التي تكمن في بنيته السياسية، أهمها، التباين الواضح بين المواطنين، فيسود اعتقاد في أوساط الإماراتيين، وخاصة لدى مواطني الإمارات الشمالية (الفجيرة، أم القيوين، عجمان، رأس الخيمة)، أن هناك فروقا واضحة في مستويات المعيشة والخدمات وجودة الحياة التي يتلقاها الإماراتيون في العاصمة أبوظبي وإمارة دبي، مقارنة مع المواطنين في تلك الإمارات.

فمن بين جميع الإمارات السبع لدولة الإمارات العربية المتحدة، تبرز على الساحتين الإقليمية والدولية إمارتا "أبوظبي" و"دبي" فقط، بينما تغيب 5 إمارات أخرى عن المشهد السياسي والاقتصادي، وهي: "عجمان، والفجيرة، ورأس الخيمة، وأم القيوين، والشارقة". وعلى المستوى السياسي، فإن مواطني أبوظبي ودبي يمثلهم وزراء الحكومات السيادية والرئيسية في الدولة، أما مواطنو الإمارات الشمالية فيمثلهم وزراء الحكومات الخدمية و"العادية"، ويتجاوز الخلاف بين حكام الامارات من الصراع السياسي، إلى وجود اختلالات حقيقية في توزيع ثروات البلاد، وتفاوت في مستويات التنمية بين الإمارات السبع، إذ تتركز الثروة في إمارة أبوظبي الغنية بالنفط، ودبي، ووفق بيانات صادرة عن صندوق النقد الدولي، فإن هناك فجوة دخل كبيرة بين الإمارات الغنية كأبوظبي ودبي وبقية الإمارات الشمالية، حيث يعادل دخل الفرد في أبوظبي أكثر من 6 أضعاف دخل الفرد في عجمان، فقد بلغ 71600 دولار في أبو ظبي في العام 2017، و28500 دولار في رأس الخيمة في العام 2018.

وتتفاوت موارد كل إمارة مقارنة بالأخرى، ما تسبب في عدم وجود تنمية متوازنة، وتراجع مستوى المعيشة في الإمارات الشمالية الأقل دخلاً، وما تلا ذلك من بزوغ سياسة تميز للإماراتيين المولودين في أبوظبي ودبي عن سائر الإماراتيين المولودين شمالي البلاد، ويبدو التفاوت بشكل جلي في امتلاك الإماراتيين الأغنى صناديق سيادية بمليارات الدولارات، بينما لا تملك حكومات الإمارات الشمالية أي صناديق سيادية.

ويؤكد تفاقم حالة التفاوت بين الإمارات السبع، تلقي الإمارات الأكثر فقرا منحا مالية وقروضا من أبوظبي، ومنح مواطني الإمارات الأخرى أراضي سكنية في أبو ظبي وفق شروط محددة، لكن هذه المنح لم تنجح أبدا في ردم الهوة القائمة بين الإمارات الاتحادية.[74]

ولا يتوقف التباين حول الجانب الاقتصادي فقط بل الجانب الخدمي أيضاً فلا يجوز لمواطني الإمارات الشمالية إصدار جوازات سفر من أبوظبي ودبي، وهو ما يعني أنك لست مواطنا "محلياً" في هاتين الإمارتين، وإنما مواطن "اتحادي".، والمواطنون الاتحاديون، تخدمهم الوزارات الحكومية الاتحادية التي تعاني مشكلات إدارية كبيرة وضعف الميزانيات ورداءة الخدمات، أما المواطنون المحليون، في أبوظبي ودبي، فتخدمهم مؤسسات ودوائر حكومية محلية قوية إدارياً وبميزانيات كبرى وخدمات ذات جودة عالمية، وفي نفس الوقت، يحق للمواطن المحلي في دبي وأبوظبي الانتفاع بخدمات الحكومة الاتحادية، والعكس غير صحيح.[75]

علاوة على كل هذه المشاكل، فإن النظام الفيدرالي في الإمارات العربية المتحدة يخلق منافسة بين الإمارات، ولا سيما الأكثر ثراءً: أبو ظبي ودبي، تمتلك كل أسرة حاكمة شركة طيران، طيران الإمارات (دبي) والاتحاد (أبو ظبي)، وهي شركة طيران واحدة كثيرة جدًا لمثل هذا البلد الصغير.

كما أن المجتمعات الخليجية قد شهدت متغيرات عديدة، فالأجيال الشبابية الحالية، بالرغم من أنها لم تعش تجربة الإصلاحيين وجمعية الإصلاح، إلا أن نسبة منهم مع التطور الفكري والثقافي، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، والتي احتكت بثقافات وأفكار مختلفة حول حقوق المواطنة والديمقراطية والمشاركة السياسية، لم يعد يكفيها تلك الامتيازات المادية التي تمنحها لهم الدولة مقابل الصمت على حقوقهم في المواطنة الكاملة والمشاركة السياسية الفعالة.

وإزاء هذا الوضع والتحديات المتعددة، والتراجع النسبي لعناصر القوة والسيطرة لدى النظام الإماراتي، ربما يسعى النظام لاتخاذ بعض الخطوات على طريق الإصلاح السياسي لتقديم نوع من التعويض الـسياسي للمـواطنين نتيجـة استمرار المتاعب الاقتصادية من ناحية وقرب انتهاء الدولة الريعية، ولكن في المقابل سيزيد من القبضة الأمنية لمنع أي حراك داخلي.

نتائج الدراسة

تخلص الدراسة إلى عدد من النتائج أهمها:

أولاً: غياب الإطار الدستوري والتشريعي

  • يعد المجلس الأعلى للاتحاد هو صاحب الوظيفة التشريعية الحقيقية فهو صاحب الرأي النهائي في إقرار القوانين، فيقتصر اختصاص المجلس الوطني الاتحادي على الموافقة على مشروعات القوانين-لاقتصار دوره على الدور الاستشاري فقط -، كما أعدها مجلس الوزراء، دون إمكان تعديله أو رفضه لها، إلا بموافقة المجلس الأعلى للاتحاد ورئيس الاتحاد.
  • وفقاً للدستور الإماراتي، فإن المجلس الوطني الاتحادي وهو المجلس الذي يمثل شعب الاتحاد لا ينفرد وحده بالسلطة التشريعية أو يستأثر بها بل تشاركه فيها السلطة التنفيذية بكل هيئاتها، فالمجلس بصيغته الحالية، ليس مجلساً تشريعياً، ولا يتمتـع إلا بـصلاحيات دستورية ضيقة، لا تتعدى مناقشة القوانين التي تحال إليه من مجلس الوزراء، كما لا يستطيع المجلس طرح أي موضوع أو قضية من القضايا العامة دون إذن مسبق بـذلك وبموافقـة مـن مجلس الوزراء.
  • أسـلوب انتخـاب أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، يشكل في حد ذاته قيداً إضافياً على عمـل الأعـضاء، ويـساهم فـي إضعاف المجلس، ويجعلـه غيـر معبـر عـن الإرادة الشعبية، فالقرار رقم ٤ لسنة ٢٠٠٦ في شأن تحديد طريقة اختيار ممثلي الإمـارات في المجلس الوطني الاتحادي، يلاحظ أنه استبعد مبدأ الاقتراع العام وبالتالي ثمة حرمان للكثير مـن مـواطني دولـة الإمارات من حقهم الدستوري في اختيار الشخص المناسب لتمثيلهم.
  • لم يقم الدستور الإماراتي على مبدأ الفصل بين السلطات، بل منح المجلس الأعلى للاتحاد مباشرة الوظيفتين التشريعية والتنفيذية بحيث يتفرع عن ذلك هيئتان: أحدهما هيئة استشارية تشريعية هـي المجلـس الـوطني الاتحـادي، والأخرى هيئة تنفيذية هي مجلس الوزراء تباشر الاختصاص التنفيذي تحت رقابة رئيس الاتحاد والمجلس الأعلى للاتحاد.
  • الدستور لم ينظم العلاقة بين السلطات الثلاثة، على أسـاس التعاون أو التوازن، بل على أساس هيمنة الـسلطة التنفيذيـة علـى السلطتين التشريعية والقضائية، مما أفضى إلى الإخلال بالتوازن بينهما، وافتقادهما الاستقلالية.
  • بالرغم من أن الدستور الإماراتي أكد على حرية الاجتمـاع وتكوين الجمعيات في المادة ٣٣ منه بقوله (حرية الاجتماع، وتكوين الجمعيات، مكفولة في حدود القانون)، إلا أن الأحزاب السياسية ما تزال محظورة، كما أن حقوق إقامة الجمعيات مقيدة، ويتوجب على كافة المنظمات غير الحكومية التـسجيل لدى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية كما أنها تخضع لإمكانية الإغلاق الحكومي.
  • قيام السلطة بتحويل الدستور من مؤقت إلى دائم يعني أن عملية الاصـلاح الدسـتوري أصبحت صعبة ومعقدة، فاقتراح تعديل الدستور يدخل في اختصاص المجلس الأعلى للاتحـاد "المـادة ١٤٢،"، كما يشترط أغلبية خاصة للموافقة على اقتراح التعديل، فقد قررت المادة "١٤٤" فـي الفقرة "ج" منها أنه يشترط لإقرار المجلس الوطني الاتحادي مشروع التعديل الدستوري موافقـة ثلثي الأصوات للأعضاء الحاضرين.
  • لم تسعى الدولة لبناء مجتمع مدني حقيقي بل قيدته بكافة الوسائل والسبل من التشريعات والقوانين المختلفة، ناهيك عن اعتقال كل من يرفع صوته مطالباً بتحقيق بعض الإصلاحات، كما كرست الدولة قدراتها ومواردها في مواجهة الإصلاحيين في الداخل والخارج.
  • لا ينص الدستور صراحة على حظر تشكيل الأحزاب السياسية، ولكن قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية يحذر في المادة 16 من "التدخل في السياسة أو في الأمور التي تمس أمن الدولة ونظام الحكم فيها
  • من الناحية النظرية، فإن حقوق الإنسان والحريات الشخصية في دولة الإمارات العربية المتحدة مصانة دستورياً، فالدستور والقوانين تنصّ على الحريات الأساسية وتتعهد بنظام ديمقراطي، ولكن الواقع يشير إلى غير ذلك.

ثانياً: هيمنة النظام السياسي وقمعيته

  • هناك ازدواجية وتناقض واضح بين إدارة الملفين السياسي والاقتصادي، فبينما الدولة تسعى بشكل مستمر نحو اقتصاديات السوق المفتوحة وحرية الاستثمار وهي السياسات المصاحبة لنموذج التجربة الديمقراطية الغربية، إلا أنها على الصعيد السياسي عنيت أكثر بخلق سياسة رقابية صارمة تحول دون نمو الديمقراطية بشكل طبيعي أو أن تتواصل مع حركة النمو الشامل للمجتمع.
  • ثمّة ملاحظتان رئيسيتان حين نُحلِّل المشهدين الاجتماعي والسياسي الإماراتي، الأول: غياب المجتمع بمعناه السياسي الفاعل، والثاني يرتبط وثيقا بحملات الاجتثاث المحليّة التي طالت الأصوات المعارضة، التي ترتكز بصفة أساسية على مزيد من المنع والقمع.
  • استغلت الدولة ظهور النفط في توظيف الدولة الريعية الاستبداد لعائلة زايد وباقي حكام الإمارات السبع.
  • كانت سياسة محمد بن زايد هي التخلص من تيار الإصلاح والمخالفين له منذ بداية صعوده لسلم الحكم لإسكات الرأي المعارض في الداخل لأي تغييرات تمس دين المجتمع وهويته وقيمه أو مكتسباته، ثم ليشرع في البدء في مشروعه التوسعي الخارجي من خلال التحالف مع العدو الصهيوني أو ضرب خيارات الشعوب المتطلعة للحرية أو تنفيذ رغبات السيد الأمريكي ليقبل به كممثل وحيد مقابل الدعم والمساندة ضد خصومه الذين يحاربهم في الخارج ودون أي ضغوط داخلية تشوش عليه تحركاته في الداخل.
  • انتهاج الدولة سياسة الدولة للقمع والتضييق على المجتمع المدني والإصلاحيين منذ وقت مبكر وليس مع موجة الربيع العربي فقط، وهذا ينبئ عن أن الخوف من المعارضة والإصلاح هو نهج الدولة، وليس المتغيرات الدولية والإقليمية فقط، وإن كانت زادت حدتها بعد الربيع العربي.
  • يمكن القول "إن خطوات الإصلاح الدستوري بالإمارات كانت الأضعف من بين دول الخليج بحكم وضعها الاتحادي.
  • أحد النتائج المهمة للنظرية الريعية يتمثل في أن المجتمع المدني قد أسقط مطالبه عن الدولة، لأنه لا يرى من حقه التأثير في السياسة، كما أن الدولة نجحت بشكل ما في التخلص من وشائجها المدنية.
  • القاعدة التي يمكن استخلاصها هي أن الدول الريعية النفطية هي أقل احتمالًا مع أن تصبح ديمقراطية؛ فالعلاقة بين تطور الديمقراطية تتماشي عكسياً مع ازدياد صادرات النفط؛ أي أنه كلام ازدادت المداخيل النفطية للدول المنتجة للنفط، تصاب العملية الديمقراطية بالخلل وتتراجع الحريات السياسية، ويرجع هذا إلى استخدام الريع الناتج من النفط للحؤول دون قيام إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية من شأنها أن تؤدي إلى تفعيل المشاركة السياسية للمواطنين في توجيه سياسات حكوماتهم، وهذا ما يمارسه النظام الإماراتي.
  • تجاهل الدولة لمطالب الإصلاح لن يستطيع الاستمرار كثيراً فانخفاض أسعار النفط وتذبذبه المستمر يفقد الدولة أهم مواردها التي وظفتها كمحاولة للاستقرار من خلال ترفيه المواطنين، والتي باتت على المحك مع ارتفاع الأسعار واتجاه الدولة لفرض ضرائب وغيرها من الخدمات التي كانت توفرها لهم الدولة، ولمواجهة الدولة هذه المتغيرات الجديدة، في الأغلب ستتجه إلى مزيد من أساليب الدولة البوليسية لتصل إلى فئات مجتمعية جديدة وستزداد في قمعها كما تفعل باقي الدول السلطوية.

الخاتمة

 

تناولت الدراسة الحقوق المدنية والسياسية للمواطن الإماراتي خلال الخمسين عاماً الماضية وبالرغم من حجم الرفاهية والخدمات التي يعيشها إلا أنه في المقابل يفتقد أدنى حقوق المواطنة وهي مشاركته في اختيار من يحكمه، فقد شهدت الدولة منذ نشأتها تحقيق العديد من الإنجازات في المجال الاقتصادي والتكنولوجي، ولكن في المقابل شهدت تراجع كبير في الملف الحقوقي والمدني وكذلك افتقاد للمجتمع لحياة سياسية فالإمارات دولة منفتحة على جميع الأفكار الغربية دون الديمقراطية والمشاركة السياسية، بعيداً عن تفاوت كبير بين الإمارات السبع من حيث حجم الدخل والخدمات والرفاهية، وهذا بالطبع يضع مستقبل الاتحاد في خطر، فسيطرة أبو ظبي على قرار الاتحاد بالفائض النفطي والقبضة الأمنية يفقد الاتحاد أهم أهدافه وهو التضامن والتكامل لبناء دولة قوية، وهذا بالطبع لا توفره النظم السلطوية كالنظام الإماراتي وإن كانت أبو ظبي قد نجحت في مواجهة موجة التغيير والإصلاح السياسي خلال الفترة السابقة، إلا أن الأمور تبدو أصعب خلال الفترة القادمة في ظل متغيرات عديدة تشهدها المنطقة.

 

 

[1] إحسان عبدالله الميسري، دور النخبة الحاكمة في ترسيخ العقد الاجتماعي في دولة الإمارات العربية المتحدة، مجلة رؤي استراتيجية مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 5مارس2019، https://2u.pw/Kg32p

[2] جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ترجمة، عادل زعيتر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ص41

[3] الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، متاح على الرابط التالي، https://2u.pw/vUP4F

[4] المصدر السابق

[5] حسين السراج، The Economic Human Rights and The Right to Development in Egypt، 10 December 2006، ص7، متاح على الرابط التالي، https://2u.pw/E7a3O

[6] محمد نور فرحات، القانون الدولي لحقوق الإنسان والحقوق المترابطـة، الـدليل العربـي (حقوق الإنسان والتنمية)، متاح بموقع المنظمة العربيـة لحقـوق الانسـان علـى الانترنيـت www.aohr.net

[7] الاتفاقية: هي اتفاق بين دولتين لهما شخصية قانونية دولية، يتضمن حقوق والتزامات، أما البرتوكول فيكون في العادة اتفاق جديد مُلحق باتفاقية قائمة، فهو يستمد مركزه القانوني وقوته من الاتفاقية الأصلية.

[8] المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الانسان التي صادقت عليها الإمارات، متاحة على الرابط التالي، https://2u.pw/YKGYP

[9] قانون اتحادي رقم (2) لسنة 2008 في شأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية ذات النفع العام،" موقع وزارة تنمية المجتمع، https://2u.pw/ZpI0D

[10] صالح صغير العامري، الإصلاح السياسي في دولة الإمارات العربية المتحدة ودوره في التغيير السياسي من 1991:2010، ص65

[11] د. همسة قحطان خلف الجميلي، الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بين المحفزات والمعوقات، دار الجنان للنشر والتوزيع, 2011، ص198

[12] العربي الجديد، "انتخابات المجلس الوطني في الإمارات اليوم: السياسة ممنوعة"، 5 أكتوبر 2019، https://2u.pw/BFDo5

[13] أ.م.د.نادية فاضل عباس فضلي، النظام السياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة، مجلة دراسات سياسية، العدد التاسع والخمسون، ص88 متاح على الرابط التالي، https://2u.pw/R9TJU

[14] يوسف خليفة اليوسف، مستقبل الإصلاح في الإمارات العربية المتحدة وقطر، مركز دراسات الوحدة العربية، https://2u.pw/9W4xN

[15] د. علي راشد بن نايع الطنيجي، " مبدأ الفصل بني السلطات في دستور دولة الإمارات العربية المتحدة "، مجلة كلية السياسة والاقتصاد، العدد الخامس، يناير 2020، ص151

[16] انجي أمحد عبد الغني مصطفى، إدارة العلاقة بين السلطات في دولة الإمارات، مجلة كلية السياسة والاقتصاد، العدد الرابع، أكتوبر2019، ص53

[17] عز الدين إبراهيم هو أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين التاريخيين، وهو أكاديمي وعالم مصري، يحمل الجنسية الإماراتية، وكان عضواً مؤسساً للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والمستشار الثقافي بوزارة شؤون الرئاسة الإماراتية، حتى وفاته في 30/ 1/ 2010 في العاصمة البريطانية لندن، بعد معاناة مع المرض، عن عمر يناهز 82 عاماً.

[18] محمد بن زايد يحضر مراسم دفن عز الدين إبراهيم، البيان الإماراتية، 3 فبراير 2010، https://2u.pw/Ox8Vl

[19] Robert F. Worth ، Mohammed bin Zayed’s Dark Vision of the Middle East’s Future،9 Jan, 2020، https://2u.pw/swDqf

[20] STRONG WORDS IN PRIVATE FROM MBZ AT IDEX,25 February 2009,https://2u.pw/hlJGA

[21] TOWNSEND DISCUSSES REGIONAL STABILITY,COUNTERTERRORISM WITH ABU DHABI CROWN PRINCE, 2006 April 29,https://2u.pw/kzDvt

[22] سعيد عبد الله سلمان، من رموز حركة "الإصلاح" التي حلّتها الحكومة الإماراتية، واعتقلت العشرات من قياداتها وأفرادها، وأنزلت بحقهم أحكاما قاسية، غادر الإمارات مع بدء حملة الاعتقالات مطلع العام 2012، وذلك بعد تجريده أيضا، من جامعة عجمان، التي أسسها، وشارك في أول تشكيل حكومي عام 1971، حيث جرى تعيين سعيد عبد الله سلمان، وزيرا للإسكان، كما شغل مناصب أخرى، مثل وزير الزراعة والثروة السمكية، وأول سفير مقيم لدولة الإمارات في باريس، والسوق الأوروبية في بروكسل، إضافة إلى كونه عضوا في المجلس التنفيذي لليونسكو في دورتين متتاليتين، وفي التشكيل الحكومي الثالث عام 1979، تولى سلمان وزارة التربية والتعليم، ومنصب رئيس جامعة الإمارات بعد تأسيسها بسنتين، توفي 29/6/2019 في مهجره بألمانيا.

[23] MBZ DISCUSSES EXTREMISM WITH CNO,21April2008,https://2u.pw/RUn5j

[24] Robert F. Worth ، Mohammed bin Zayed’s Dark Vision of the Middle East’s Future،9 Jan, 2020، https://2u.pw/swDqf

[25] الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، https://2u.pw/vUP4F

[26] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، https://2u.pw/23LQi

[27] حرية التجمّع في الخليج... وفقًا لما ينظّمه القانون، الثابت والمتحول 2014: الخليج ما بين الشقاق المجتمعي وترابط المال والسلطة، مركز الخليج لسياسات التنمية، https://2u.pw/4EYmt

[28] حصة تهلك: 249 جمعية ومؤسسة أهلية وصندوق تكافل اجتماعي على مستوى الدولة مشهرة من الوزارة حتى نهاية يوليو 2020، وزارة تنمية المجتمع، https://2u.pw/cZPNG

[29] ساهم في تأسيسه بشكل كبير (الشيخ سعيد عبد الله سلمان، من رموز حركة "الإصلاح") رئيس جامعة الإمارات في هذا الوقت

[30] اختتام المؤتمر السابع للاتحاد الوطني لطلبة الامارات، التوصية بمقاومة التطبيع ومواجهة مخاطر العولمة، جريدة البيان،29 فبراير 2000، https://2u.pw/k7qaH

[31] المؤتمر العام التاسع للاتحاد الوطني لطلبة الامارات ينتخب هيئته التنفيذية، وكالة الانباء الإماراتية "وام"، ٢٥ يناير ٢٠٠٩، https://2u.pw/v5TS7 

[32] إغلاق فرع الاتحاد الوطني لطلبة الكويت في الإمارات، موقع كويت نيوز، 20 مايو, 2014، https://2u.pw/YqCB7

[33] مؤشر الحرية، تقرير فريدم هاوس لعام 2021، https://2u.pw/bm1Xr

[34] قانون اتحادي رقم (2) لسنة 2008في شأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية ذات النفع العام، متاح على موقع وزارة تنمية المجتمع، https://2u.pw/ZpI0D

[35] د. ابتسام حاتم علوان، واقع المجتمع المدني في العالم العربي، مجلة كلية الآداب، العدد ٩٨

[36] خالد جاسم إبراهيم حسن الحوسني، الدور الرقابي لمؤسسات المجتمع المدني وأثره في تنمية المجتمع في دولة الإمارات العربية المتحدة-جمعيات النفع العام-دراسة حالة، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، ص129

[37] منظمة مراسلون بلاحدود، التصنيف العالمي لحرية الصحافة، https://2u.pw/zhAKK

[38] تقرير مؤشر الحرية 2021، منظمة فريدم هاوس، https://2u.pw/oB6Uz

[39] مؤشر حرية الانترنت، منظمة فريدم هوس، https://2u.pw/rhg69

[40] مؤشر الحرية الاقتصادية 2021، مؤسسة «هيرتيج فاونديشن"، https://2u.pw/DNyfb

[41] الدولة الخليجية: “سلطة أكثر من مطلقة: مجتمع أقل من عاجز" -محمد عبيد غباش، مركز الخليج لسياسات التنمية، https://2u.pw/W6U3v

[42]  المصدر السابق

[43] معمر طرايش، سحنون مصطفى، التأصيل النظري لظاهرة الاقتصادي الريعي، الدول المصدرة للنفط نموذجا مجلة التنمية والاقتصاد التطبيقي– جامعة المسيلة-العدد الرابع

[44] Hazem Beblawi،The Rentier State in the Arab World, Arab Studies Quarterly, Vol. 9, No. 4, https://2u.pw/Rm48n

[45] عمر هشام الشهابي، اقتلاع الجذور: المشاريع العقارية وتفاقم الخلل السكاني، مركز دراسات الوحدة العربية، ص53.

[46] الدولة الخليجية: “سلطة أكثر من مطلقة: مجتمع أقل من عاجز" -محمد عبيد غباش، مركز الخليج لسياسات التنمية، https://2u.pw/W6U3v

[47] Michael L. Ross. The"resource curse"in MENA ? political transitions, resource wealth, economic shocks, and conflict risk. https://2u.pw/AMTfo

[48] Thomas L. Friedman،The First Law of Petropolitics، foreignpolicy، OCTOBER, 200916، https://2u.pw/Tcnnx

[49] Giacomo Luciani. When Can Oil Economies Be Deemed Sustainable. https://2u.pw/4PRnJ

[50] دحمان عبد الحق جواهر ادريس، تحليل الانحدار لنمذجة تأثير إنتاج النفط في الديمقراطية في سياق أطروحة "لعنة الموارد"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، مجلة سياسات عربية، العدد 9، https://2u.pw/LOpmP

[51] الدكتور عمر الرزاز، "من الريع إلى الإنتاج. الطريق الصعبة نحو عقد اجتماعي عربي جديد"، أعمال "المؤتمر السنوي الأول للعلوم الاجتماعية والإنسانية" للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مارس 2012، منشورة على موقع العربي الجديد، https://2u.pw/r2ww8

[52] الديمقراطية وتطور العلاقة بين المجتمع والدولة في الخليج، صحيفة البيان، https://2u.pw/TrkWj

[53] الديمقراطية وتطور العلاقة بين المجتمع والدولة في الخليج، صحيفة البيان، https://2u.pw/TrkWj

[54] الإمارات ترفع الرواتب بنسب تصل لـ 100% في أعلى زيادة تاريخية، العربية نت، 30 نوفمبر 2011، https://2u.pw/qnmuS

[55] مجلس الوزراء يعتمد قائمة التنظيمات الإرهابية، وام، ١٥ نوفمبر ٢٠١٤، https://2u.pw/Rzj7F

[56] عمر الشهابي ومحمود المحمود ومحمد الدوسري (محررون)، الثابت والمتحول 2016: الخليج بعد خمس سنوات من الانتفاضات العربية (الكويت: مركز الخليج لسياسات التنمية، 2016)، https://2u.pw/VEbRb

[57] تعديل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات،" البيان، ١٤أغسطس ٢٠١٨، https://2u.pw/k1Wn8

[58] انتهاكات حقوق الإنسان في دولة الإمارات، مركز برق، https://2u.pw/6hk9w

[59] إماراتيون يرفعون رسالة لحكام الإمارات تطالب بإصلاح كلي للنظام البرلماني، متاح الوثيقة والموقعين على الرابط التالي، https://2u.pw/pTXRJ

[60] عدم الإفراج عن سجناء الرأي بعد انتهاء مدة الأحكام؛ وفاة صحفي؛ وأحد أفراد العائلة الحاكمة في خطر، مركز الخليج لحقوق الإنسان، 2021-02-22، https://2u.pw/I8B6g

[61] منظمة العفو الدولية، الإمارات العربية المتحدة: "لا توجد حرية هنا": إسكات المعارضة في الإمارات العربية المتحدة، https://2u.pw/zrI61

[62] تقرير هيومان رايتس ووتش عن الإمارات، عام 2020، متاح على الرابط التالي، https://2u.pw/9NZeK

[63] The UAE Spends Big on Israeli Spyware to Listen In on a Dissident, foreignpolicy, AUGUST 25, 2016, HTTPS://2U.PW/C3MTX

[64] Hacking a Prince, an Emir and a Journalist to Impress a Client, The New York Times, Aug. 31, 2018, https://2u.pw/r0BKW

[65] 55 ألف كاميرا مراقبة تضع أبوظبي ودبي في قائمة أكثر المدن أماناً، الخليج، 21 أغسطس 2019، https://2u.pw/BZ3zT

[66] Most UAE residents think their devices are spying on them, khaleejtimes, May 27, 2019, https://2u.pw/LJNEP

[67] Special Report: Inside the UAE’s secret hacking team of U.S. mercenaries, reuters, JANUARY 30, 2019, https://2u.pw/cVfz5

[68] Made in America, PROJECT DREADWHITE HOUSE VETERANS HELPED GULF MONARCHY BUILD SECRET SURVEILLANCE UNIT, reuters, DEC. 10, 2019, https://2u.pw/mMylv

[69] "انكماش في اقتصاد الدولة"، الإمارات تخفض إنفاق ميزانية 2021، موقع الحرة، 1 نوفمبر 2020، https://2u.pw/Zy1Ua

[70] انكماش اقتصاد الإمارات غير النفطي 6.1% للمرة الأولى منذ 2011، العربية نت، 02 مايو ,2021، https://2u.pw/hbQ2b

[71] بلومبيرغ: ديون دبي 77% من الناتج وتوازي جنوب أفريقيا، العربي الجديد، 17 سبتمبر 2020، https://2u.pw/8EWRp

[72] التقرير الاقتصادي السنوي 2020، وزارة الاقتصاد بدولة الإمارات، https://2u.pw/f7JDo

[73] خلصت ورقة بحثية أعدها مركز الإمارات للدراسات والإعلام، إلى أن الإمارات تنفق قرابة 1.3 مليار دولار شهرياً (على أقل تقدير) في اليمن، في العمليات البرية والجوية ضمن التحالف الذي تقوده السعودية، ما يصل إلى (16 مليار دولار)، ولا يوجد تقدير رسمي بحجم الانفاق الإماراتي على حرب اليمن.

[74] الإمارات السبع.. تفاوت كبير في الثروة والنفوذ، الخليج الجديد، https://2u.pw/behu0

[75] ماذا يعني أن تكون مواطنا في أبوظبي أو مواطنا في الإمارات الشمالية؟، موقع الإمارات 71، https://2u.pw/omY9k

المزيد من دراسات وبحوث