دراسات وبحوث
نسخة pdf

الاستثمارات الإماراتية بين الدوافع الاقتصادية والهيمنة السياسية

الاستثمارات الإماراتية بين الدوافع الاقتصادية والهيمنة السياسية

المركز الخليجي للتفكير

سبتمبر 2022

مع المتغيرات المتسارعة التي تضرب منطقة الشرق الأوسط وتداعياتها وبعد سنوات من الصراع الإقليمي الذي انغمست فيه الإمارات بشكل كبير بدأت تغير استراتيجيتها وتركز على ما تجيده وتملكه وهو استغلال العائدات النفطية في الاستثمار الخارجي، والسعي للاستفادة من الأموال في توظيفها سياسياً، وكسب المزيد من الهيمنة الإقليمية والدولية من مدخل الاستثمارات.

 يأتي هذا التحول ضمن تعديلات سياسية أوسع نطاقاً شهدت تغلُّب الخصوم السابقين في الشرق الأوسط على خلافاتهم العنيفة أحياناً، بالتزامن مع انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة. وبعد عقدٍ كامل من سياسة التدخل التي كبّدت البلاد فرصاً ضائعة بمليارات الدولارات فتغلبت الرؤية الاقتصادية التي تركز على الأعمال التجارية على الرؤية العسكرية التي انتهجتها الامارات في الفترة الأخيرة.

فبدأت رسم مسار استراتيجيتها الجديدة من مدخل المال، فأعلنت عن استثمار 10 مليار دولار في تركيا عدوتها اللدود خلال الفترة الماضية، وعالجت توتر علاقاتها مع حليفها السيسي ب 2 مليار دولار وشراء حصص حكومية وسيادية في مصر، وغيرها من الاستثمارات التي أعلنت عنها في الآونة الأخيرة كلها تؤكد على المسار الذي اتخذته وركزت عليه في رؤيتها للخمسين عاماً القادمة.

بفضل ثروتها النفطية الضخمة، أصبحت الدولة الخليجية ذات البدايات المتواضعة، واحدة من أكثر الدول نفوذاً في منطقة الشرق الأوسط في العقد الأخير. ومن أكبر نجاحاتها إمارة دبي الثرية التي تحوّلت من قرية معروفة بصيد اللؤلؤ إلى محطة استقطاب مالية وسياحية وإعلامية مهمة في غضون عقود قليلة، حتى باتت مركزا لمقرات شركات كبرى يزورها ملايين الأشخاص سنويا.

واستثمرت الإمارات بشكل كبير في النهوض وتطوير اقتصادها (الثاني خلف السعودية عربيا)، إلا أنّها سعت أيضا للحصول على نفوذ سياسي إقليمي، في مرحلة فقدت فيها قوى إقليمية تقليدية مثل مصر والعراق وسوريا هذا الدور لصالح دول الخليج الغنية، واستطاعت الامارات تحقيق انتشارات عديدة من خلال استخدام اقتصادها فسيطرت على العديد من الموانئ ونقاط التأثير الاقتصادي والسياسي في العديد من الدول.

تجيب الدراسة عن سؤال أهداف التوسع الإماراتي في الاستثمارات الخارجية، ومدى توظيفها لتلك الاستثمارات سياسياً.

أولاً: - المنطلقات الاقتصادية في السياسة الإماراتية

بعد عقد من الصراعات والاستنزاف الاقتصادي الذي واجهته الإمارات في استراتيجيتها التوسعية، الذي حققت من خلاله بعض النجاحات، فنجحت في فرض نفسها كعلامة تجارية عالمية على مستوى التجارة والسياحة ووسّعت من نفوذها الناعم حيناً والخشن أحياناً، فالإمارات وجارتها السعودية أصبحتا اللاعبان الاقتصاديان المهيمنان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يمثلان أكثر من نصف واردات وصادرات المنطقة على مدى العقد الماضي، مع ضعف مراكز القوة التقليدية في مصر والعراق وسوريا، أصبحت هاتان الدولتان أكثر حزماً وتأثيرا في الشؤون الإقليمية والعالمية.

ولكن يبدو أن مغامرات أبوظبي عبر التدخل في اليمن وليبيا والسودان وغيرها، استنزفت الكثير من مقدرات البلاد، من دون أن تحقق مردودًا كما كان مأمولًا، لذا وفي سياق سياسة إعادة التموضع التي تنتهجها الإمارات مؤخراً ارتأت القيادة الإماراتية ضرورة تغيير النهج التوسعي الخشن وانتهاج سياسة التوسع والنفوذ الاقتصادي، خاصة في ظل جائحة "كورونا" التي أصابت الاقتصاد العالمي بالتراجع.

وفي فترة ما بعد جائحة فيروس كورونا، تحاول الإمارات المشاركة في إنشاء آليات استراتيجية للتحديات الجديدة على المستوى العالمي، وهو مسار من شأنه أن يخلق فرصاً جديدة لتعزيز دور الإمارات العربية المتحدة ومكانتها في العالم، فتستخدم قوتها الديبلوماسية والاقتصادية من أجل أغراض جيوسياسية. كما تحرص على تنويع اتفاقيات الدفاع والأمن الخاصة بها.

ومؤخراً أكدت الدولة في مبادئها العشرة للخمسين عاماً المقبلة على أهمية الاقتصاد، حيث ركزت سبع مبادئ من العشرة حول التركيز على التنمية وتطوير العلاقات الاقتصادية مع باقي الدول وتهيئة الدولة ومؤسساتها لذلك، ويبدو هذا جلياً من خلال التحركات الأخيرة لقيادات الدولة وتوقيع العديد من الاتفاقيات التجارية، فأصبح الاقتصاد هو الركيزة الأساسية للدولة خلال المرحلة القادمة[1].

ولبيان أهمية الاقتصاد في الاستراتيجية الإماراتية المقبلة قال عبدالله بن طوق المري وزير الاقتصاد الإماراتي أن الأهمية الاستراتيجية بعيدة المدى لمشاريع الخمسين، تتطلب إعادة تقييم العلاقات التجارية للدولة من شأنها تحقيق نتائج سريعة، كما أشار إلى أنه كان من الضروري إعادة هندسة اقتصادنا الوطني، ليس فقط لمواجهة تحديات المستقبل، ولكن أيضاً لتخطي عقبات الحاضر، إذ أصبح تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الشركاء الاستراتيجيين للدولة في جميع أنحاء العالم أولوية رئيسية لمشاريع الخمسين، عبر إطلاق برنامج الاتفاقيات الاقتصادية العالمية[2].

الخلاصة، رؤية الإمارات ومنطلقاتها في تحديد وممارسة دورها الإقليمي والدولي، تستند إلى المبادئ العشرة التي أعلنتها الدولة باعتبارها مرجعية أساسية لها، حيث ستكون هذه المبادئ دليلاً في تحركاتها الدبلوماسية الخارجية، لتؤكد القيادة الإماراتية بأن نموها الاقتصادي يعتمد على استقرار المنطقة، والذي سيعزز بدوره مكانة الدولة كحاضنة للاستثمارات الأجنبية، لذلك تركز الإمارات على الاقتصاد، لكونه المحرك الحقيقي للعلاقات الدولية.

ثانياً: - حجم الاستثمارات الإماراتية حول العالم

تُعد الإمارات أحد أهم الدول سعياً لتحقيق استثمارات بالخارج، ووفقاً للأمين العام لمجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج "جمال الجروان"، فإن إجمالي الاستثمارات الإماراتية في العالم يبلغ 6 تريليونات درهم (1.6 تريليون دولار)، تتوزع على أكثر من 60 دولة، وقال "الجروان" إن "الإمارات تتصدر الاستثمارات في غرب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا". وحسب "الجروان"، فإن المستثمرين يركزون على الاستثمار في قارتي آسيا وأفريقيا نظراً لأهميتهما التجارية مع الإمارات[3].

أما على صعيد تدفقات الاستثمارات الإماراتية الصادرة إلى العالم، فقد بلغت خلال عام 2021، نحو 82.6 مليار درهم (22.5 مليار دولار)، بنمو سنوي وصل إلى 19.1 %، بينما نمت بنسبة 789 % خلال السنوات العشر الماضية، ما أدى إلى ارتفاع الرصيد التراكمي للاستثمارات الإماراتية المباشرة الصادرة إلى العالم، لنحو 830.5 مليار درهم (226.3 مليار دولار)، بنهاية 2021، وبنمو وصل إلى 11.1 % مقارنة بنهاية [4]2020.

استحوذت الإمارات العربية المتحدة على ربع حجم التبادل التجاري الذي جرى بين الدول العربية وبقية دول العالم خلال العام الماضي، وهو ما يعزوه خبراء إلى الاستثمارات الإماراتية المنتشرة في عدد من الدول وأيضاً إلى حركة إعادة التصدير الكبيرة التي تقوم بها الدولة الخليجية.

وارتفعت نسبة التبادل التجاري الإماراتي مع بقية دول العالم خلال 2020، لتصل إلى 25% من حجم التبادل التجاري العربي العالمي البالغ 1.27 تريليون دولار[5].

ثالثاً: أذرع الاستثمارات الإماراتية (الصناديق السيادية)

تمثل الصناديق السيادية الإماراتية الوسيلة الأهم في السعي للاستثمار الخارجي، وتُمثّل الإمارات موطناً لصناديق سيادية رئيسة، بما في ذلك جهاز أبوظبي للاستثمار، ومؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية، وشركة مبادلة للاستثمار، وأبوظبي القابضة، وجهاز الإمارات للاستثمار، والشارقة لإدارة الأصول.

ووفق أحدث الإحصاءات، ارتفعت القيمة الإجمالية لأصول صناديق الثروة السيادية الإماراتية، البالغ عددها 6 صناديق، إلى 1 تريليون و402 مليار دولار (5.2 تريليونات درهم)، مع نهاية العام الماضي 2021، وفقاً لإحصاءات معهد صناديق الثروة السيادية "إس. دبليو. إف. آي".

ومثلت الأصول المجمعة للصناديق السيادية الإماراتية، ما يعادل 15 % من إجمالي الصناديق السيادية حول العالم، والبالغ قيمتها الإجمالية نحو 9.53 تريليونات دولار، لتحافظ الإمارات بذلك على المركز الثاني عالمياً، والمركز الأول إقليمياً، من حيث قيمة أصول صناديقها السيادية، وذلك بعد الصين، التي جاءت في المركز الأول، بينما حلت النرويج ثالثاً، وسنغافورة رابعاً.

وبحسب إحصاءات معهد صناديق الثروة السيادية، جاء جهاز أبوظبي للاستثمار «أديا»، في المركز الرابع، ضمن أكبر الصناديق السيادية في العالم، والثاني عربياً، بعد أن وصل إجمالي أصوله إلى 697.8 مليار دولار (ما يعادل 2.56 تريليون درهم)، فيما زادت أصول مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية، التي حلت في المرتبة 11 عالمياً، والخامسة عربياً، إلى 302.32 مليار دولار (1.11 تريليون درهم)، وحلت شركة مبادلة للاستثمار في المركز الـ 13 عالمياً، بعد وصول أصولها إلى 243 مليار دولار (892.5 مليار درهم).

وجاءت أبوظبي القابضة «ADQ»، في المركز الـ 19 عالمياً، بإجمالي أصول 79 مليار دولار (290.2 مليار درهم)، ثم جهاز الإمارات للاستثمار في المركز 20 عالمياً، بأصول 78 مليار دولار (286.5 مليار درهم)، فيما بلغت أصول شركة الشارقة لإدارة الأصول القابضة، التي جاءت في المرتبة 65 عالمياً، نحو 1.9 مليار دولار (7 مليارات درهم).[6]

وربما أبرز هذه الأدوات موانئ دبي العالمية (DP World‏) التي بدأت باكورة أعمالها عام 1999 لتشغيل وتطوير بعض اللوجستيات في ميناء جدة السعودي، ستصبح يومًا ما واحدة من أكبر مشغلي الموانئ في العالم، إذ نجحت في غضون عقدين فقط أن تدير أكثر من 75 محطة بحرية موجودة في أكثر من 40 دولة، متحكمة بـ 10% من حركة الحاويات عالميًا، لتتصدر قائمة مشغلي الموانئ في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط[7].

وانتهجت الامارات الاستثمارات الخارجية منذ بداية مبكرة من تاريخها خاصة مع وجود الفائض النفطي وازدادت في الفترة الأخيرة خاصة مع الألفية الجديدة تلك الاستثمارات بشكل كبير وتعددت أهدافها رغبة في مزيد من الهيمنة الإقليمية والدولية.

وبالرغم من البدايات المبكرة لدبي في الاستثمارات الخارجية إلا أنه في الآونة الأخيرة باتت معظم الاستثمارات الخارجية تابعة لأبوظبي في ظل هيمنتها المالية والسياسية في حين تواجه دبي أزماتها الاقتصادية وديونها المتتابعة إثر الأزمة المالية العالمية 2008 والتي بلغت وفقاً لتقرير لرويترز (33.61 مليار دولار) في 30 يونيو 2020.

رابعا: - التوظيف السياسي للصناديق السيادية

من المؤكد أن الاقتصاد والسياسة لاينفصلان فكلاً منهما له ارتباط وثيق بالآخر، فنهج الاستثمارات الإماراتية مترامية الأطراف ومتنوعة الأهداف في النهاية تصب في أهداف سياسية متنوعة تبعاً لما تريده الامارات من كل دولة، وربما التحركات الإماراتية الأخيرة تصب في خدمة الاستراتيجية الإماراتية الرئيسية وهي توظيف الاقتصاد لمزيد من الهيمنة.

يُعد جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA، الذي يطلق عليه في الإمارات "الجهاز"، ثالث أكبر صندوق للثروة السيادية في العالم، حيث يبلغ إجمالي الأصول الخاضعة لإدارته 829 مليار دولار. ويقول الصندوق إنه "مؤسسة استثمارية متنوعة عالميا تستثمر الأموال بحكمة نيابة عن حكومة أبوظبي من خلال استراتيجية تركز على خلق القيمة على المدى الطويل".

ويكشف الصحفي "سي جاي ويرلمان" في أحد دراساته عن التوظيف السياسي للصناديق السيادية الإمارتية، فيقول:-

تُعد الصناديق السيادية أدوات استثمارية مملوكة للدولة تتكون من مجموعة من الأصول المالية، بما في ذلك العقارات والأسهم والسندات والمعادن الثمينة والأدوات المالية الأخرى اللازمة لتحقيق الأهداف الوطنية. لكن في الآونة الأخيرة، أثارت تلك الصناديق مخاوف بشأن الاستقرار المالي وحوكمة الشركات والتدخل السياسي والحمائية.

ووفقاً لـ"سي جاي ويرلمان" يستخدم الشيخ "محمد بن زايد" الجهاز كأداة لتمويل أهداف سياسته الخارجية، بما في ذلك الحرب في اليمن، والحصار الذي تم فرضه على قطر، ودعم رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي". وعندما تحدثت مع "روبرت جونز"، وهو مدير عمليات سابق في جهاز أبوظبي للاستثمار، أخبرني أن الجهاز ليس شركة استثمارية فحسب، بل هو أيضا "أداة سياسية"، مضيفا أنه "عندما يستثمر الجهاز الأموال في بلدك، فهو يستثمر الأموال في حكومتك أيضا".

وقال "جونز"، الذي أشار إلى حالتين بارزتين حدثا أثناء عمله: "كان من المعتاد عندما نرسل عائدات شيء ما إلى مكتب محمد بن زايد، تكون تلك العائدات ثمنا لشيء سيظهر في الأخبار بعد ذلك بوقت قصير". وأضاف "جونز": "قبل أسبوعين من إعلان السعودية والإمارات عن حصارها لقطر، صفي جهاز أبوظبي للاستثمار ما يزيد عن 10 مليارات دولار، وهو ما فاجأني"، مضيفا أنه لا يتذكر الرقم بالضبط. ووفقا له، فقد كان هو وفريقه على دراية مسبقا بموعد تصفية أحد الأصول الرئيسية "نظرا لوجود قدر كبير من التحضير والعمل الإداري اللازم". وقال "جونز": "بعد ذلك تم الإعلان عن الحصار، وبدأت حكومة الإمارات في تحديد كيف ستدعم ماليا الكيانات والأفراد الذين قد يخسرون بسببه".، وفي مثال آخر، تحدث "جونز" عن كيف أن زيارة رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" إلى الإمارات عام 2019، التي حصل خلالها على وسام "زايد"، أعلى وسام مدني في البلاد، "أعقبها على الفور تحول هائل من الجهاز إلى ضخ الأموال في الأسهم الهندية والعقارات والبنية التحتية هناك".

ويقول "جونز" إن العائلة المالكة لديها سيطرة كاملة على جهاز أبوظبي للاستثمار، ويعمل الجهاز بشكل أساسي كصندوق حرب لحكومة الإمارات، ما يسمح لها ليس فقط بجمع الأموال بسرعة للعمليات العسكرية، أو ما يعرف بالقوة الصلبة، ولكن أيضا بكسب تأييد دبلوماسي وسياسي، وهو ما يعرف بالقوة الناعمة[8]. فالإمارات توظف صناديقها ليس للاقتصاد فقط بل لمزيد من الهيمنة السياسية وتحقيق الطموحات الإقليمية لإسبرطة الصغيرة.

خامساً: الأهداف

من المؤكد أن أهداف الاستثمار تختلف من دولة إلى أخرى لكن يمكن تصنيفها إلى عدة أهداف منها.

1- طموحات إقليمية

لا تخفي الإمارات رغبتها في أن تصبح قوة إقليمية ذات ثقل سياسي واقتصادي. ولا شك أن النهضة الاقتصادية الكبيرة التي شهدتها، والمشاريع التنموية التي أنجزتها، وتركيزها على تنويع الاقتصاد واستخدام أحدث التقنيات في مختلف المجالات كان لها دور كبير في تعزيز ثقلها الإقليمي.

وتبذل الإمارات جهودًا مكثفة لتوجيه السياسات الداخلية والخارجية لبعض الدول، بهدف بناء "نظام إقليمي جديد" ينسجم مع تصوراتها، وتشن لتحقيق ذلك هجمات تستهدف منع تعزيز الديمقراطية، ونشر الفوضى في بلدان عديدة.

ويرى بعض ي النُقاد أن توسع الإمارات يأتي برغبة ضمنية من الولايات المتحدة لتكون كأداة في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، التي وللمفارقة تجمعهما علاقات قوية بأبوظبي مؤخراً.

2- المنافسة الإقليمية

تسعى الإمارات إلى تقديم نفسها كقوة إقليمية ومركز للتجارة العالمي على حساب السعودية وقطر، لذلك فهي تخوض سباقا مع الدولتين لتكون الوجهة الأكثر جاذبية للعالم، وفي المقابل يسعى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتقديم الرياض كبديل لأبو ظبي.

وشكلت الفترة الماضية، منعطفا حادا في العلاقة بين الدولتين، في جوانبها الاقتصادية على وجه الخصوص، بالتزامن مع تحديات يواجهها البلدان النفطيان، بسبب تذبذب أسعار الخام، وتباطؤ نمو الاستثمارات مع أزمة "كورونا"، واتخذت الدولتان العديد من القرارات الاقتصادية في إطار المنافسة بينهما في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية بدءاً بقيود سعودية على الشركات الأجنبية التي لا تملك مقرا لها على أراضي المملكة، وليس انتهاء بالتنازع في السيطرة على الموانئ كما في السودان وغيرها. يُذكر أنه في يناير 2021، نقلت وكالة Bloomberg الأمريكية، عن مكتب أبوظبي للاستثمار تأكيده أنَّ "الإمارات تستطيع الصمود أمام جهود المملكة العربية السعودية لإعادة رسم خريطة الشركات في الخليج من خلال جذب الشركات متعددة الجنسيات لنقل مقارها إلى الرياض".[9].

فتتنوع مجالات المنافسة من أجل الهيمنة الإماراتية على اقتصاد المنطقة مبدئياً كمدخل للهيمنة السياسية فتسعى الامارات خلال المرحلة الحالية لمزيد من الاستثمارات الخارجية في دول المنطقة وغيرها والتي سينعكس بدورها على التأثير والهيمنة السياسية.

3- النفوذ البحري "دبلوماسية المضائق"

بعد سنوات من التدخل العسكري على نحوٍ مثير للجدل، تعمد الإمارات الآن إلى تسريع حركتها الدبلوماسية مع التركيز على وجه الخصوص على أمن الملاحة البحرية، أو ما يطلق عليه "دبلوماسية المضائق" أصبحت الآن في صلب السياسة الخارجية الإماراتية.

وتركّز دبلوماسية المضائق التي تنتهجها الإمارات على ثلاثة مضائق بحرية، هي هرمز وباب المندب والسويس، وتجمع بين ثلاثة أبعاد متكافلة في السياسات: الحضور على مستوى الأمن البحري، والحوار البراغماتي والمؤسسي بشأن أمن الملاحة البحرية، والاستثمارات الاقتصادية الجغرافية حول المجاري المائية الحيوية[10].

مع الموقع الجيوسياسي المتميز تتمتع الإمارات بالفعل بوصول جغرافي مباشر إلى الخليج العربي وبحر العرب لكنها طورت أيضًا منفذًا استراتيجيًا إلى البحر الأحمر من خلال مشغلي الموانئ والبحر الأبيض المتوسط ​​من خلال منتدى غاز شرق المتوسط، توضح استثمارات شركة موانئ دبي العالمية (DPW) في المرافق في غرب إفريقيا، بعد تطوير الموانئ في البحر الأحمر ومحطات الأنهار في وسط إفريقيا، كيف تنظر الإمارات إلى إفريقيا كبوابة لأمريكا الجنوبية،  لذا تعتمد أنشطتها الاقتصادية والدبلوماسية على تطوير ممرات ربط تسمح للتجارة بين الاقتصادات بالتدفق بسلاسة عبر المنطقة[11].

والناظر إلى خريطة الملاحة والموانئ في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي سيلاحظ امتداداً جيوستراتيجياً إماراتياً توزع ما بين اليمن والقرن الإفريقي ومصر، لتخلق لنفسها دوراُ أشد أهمية وتأثيراً خارج محيطها الإقليمي الخليجي المليء بالنزاعات ومحاولات السيطرة.

ووفقاً لأستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات الدكتور عبد الخالق عبد الله، فإن الامارات تدير مجموعة كبيرة من الموانئ حول العالم من الصين مروراَ بمواني في أوروبا وآسيا وانتهاء بمواني في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية بما يقارب 70 ميناء من أهم وأكبر وأفضل الموانئ في العالم، بما في ذلك أكبر ميناء في إفريقيا وهو ميناء الجزائر وتدير كل ذلك باقتدار وفعالية وربحية هائلة[12].

يقول د. غويدو شتاينبيرغ من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمني، إن الإمارات "مهتمة بشكل كبير بالسيطرة على الطرق البحرية من خليج عدن إلى البحر الأحمر، وقد سيطرت على عدة موانئ وجزر يمنية منذ عام 2015، وأنشأت قواعد في إريتريا وأرض الصومال، ومن ثم فقد أسست لنفسها إمبراطورية بحرية صغيرة بين خليج عمان والبحر الأحمر، وعززت موقعها كقوة إقليمية في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي"[13].

4- التنويع الاقتصادي

شهد الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة، جعلت التنويع الاقتصادي مطلب وضرورة لعديد الدول سيما أحادية الاقتصاد منها، ويكمن الهدف من وراء اتباع سياسة التنويع الاقتصادي للدول أحادية الاقتصاد عموما وللدول البترولية على وجه التحديد في: بناء اقتصاد مستدام للأجيال الحالية والمستقبلية بعيدا عن البترول، والتنمية الاقتصادية المتوازنة للبلد.[14]

أدى تكرار الأزمات النفطية العالمية واستمرار التراجع في أسعار النفط في السوق الدولية إلى تعرض العديد من الدول الريعية مثل الامارات إلى عجز في ميزانيتها العاملة بعد سنوات الفائض التي عرفت تزايد في وتيرة الإنفاق العام، ومن هنا أخذ مفهوم التنويع الاقتصادي حيز مهم من اهتمامات صانعي السياسات الاقتصادية وذلك بالبحث عن تنويع مصادر الدخل وتخفيف الاعتماد على النفط عن طريق زيادة إسهام القطاعات الإنتاجية الأخرى في الناتج المحلى الإجمالي.

ومن بين الدول التي نجحت "نسبياً" في تحقيق تنويع لاقتصاداتها وإنجاز تحولات اقتصادية مهمة نجد الامارات حيث استطاعت تنمية صناعات ذات الصلة بالنفط ومشتقاته مثل الصناعات البتروكيماوية والأسمدة والمعادن وبعض الصناعات التحويلية الأخرى، كما أحرزت تقدماً في تنمية قطاعات خدمية مثل القطاع المالي والسياحي، ساهمت في تجاوز التحديات المختلفة التي يمر بها الاقتصاد الاماراتي ومنها تداعيات وتقلبات لانخفاض الواضح في سعر النفط[15].

ويُعد توقيع الإمارات ما يقرب من 134 اتفاقية لتشجيع الاستثمارات مع شركائها التجاريين، بوابة أساسية في تنويع الاستثمارات في الدولة، وحسب تقرير الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي للعام 2021 "الأونكتاد"، جاءت دولة الإمارات في المرتبة الأولى عربياً وإقليمياً و15 عالمياً من حيث قدرتها على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وقد تقدمت 9 مراكز عن ترتيبها في تقرير العام 2020، حيث جذبت الإمارات، استثمارات أجنبية مباشرة في العام 2020 تصل قيمتها إلى 19.9 مليار دولار أمريكي بنسبة نمو 11.24% عن العام 2019، لتتصدر المرتبة الأولى عربياً مستحوذة على 49% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة إلى مجموعة الدول العربية.

كما احتلت الامارات المرتبة الأولى على مستوى منطقة غرب آسيا مستحوذة على ما نسبته 54.4% من إجمالي التدفقات الواردة إلى هذه المنطقة البالغة 36.5 مليار دولار. وجاءت الإمارات في المرتبة الأولى أيضاً على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مستحوذة على نحو 40.2%، من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى هذه المنطقة.[16]

سادساً: تصنيف الاستثمارات الإماراتية

يمكن تصنيف النهج الإماراتي في توظيف والاستفادة من استثماراتها الخارجية إلى خمسة أصناف

1- استثمارات بهدف اللوبي والتأثير السياسي (أمريكا -بريطانيا فرنسا روسيا)

2- استثمارات بهدف تطوير العلاقات مع الاقتصاديات الصاعدة (الهند الصين)

3- استثمارات بهدف بناء العلاقات وتجاوز الخلافات (تركيا - إسرائيل)

4- استثمارات بهدف الهيمنة السياسية (مصر السودان اليمن "سقطرى" – تونس- العراق- الأردن)

5- استثمارات بهدف التغلغل السياسي والتوظيف الجيوسياسي (آسيا أفريقيا)

أولاً: - استثمارات بهدف اللوبي والتأثير السياسي

1- الولايات المتحدة الأمريكية

على مدار عقود، كانت العلاقة بين واشنطن وأبوظبي تتسم بأنها "استراتيجية"، رغم وجود تباينات في بعض الملفات، فقد احتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً والـ 20 عالمياً في قائمة البلدان المستثمرة في الولايات المتحدة، برصيد تراكمي بلغ 44.7 مليار دولار حتى نهاية 2020.

ووفقاً لوزير الدولة لريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة الإماراتي، أحمد بالهول الفلاسي، ترتكز استثمارات الشركات الإماراتية بالولايات المتحدة في أنشطة البحث والتطوير المرتبطة بالابتكار والتكنولوجيا بنحو 1.7 مليار دولار، وأشار إلى أن التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين ارتفع من 5.22 مليارات دولار في عام 2005 إلى 17.83 مليار دولار في عام 2020، وتستحوذ الاستثمارات الإماراتية على الحصة الكبرى من إجمالي الاستثمارات العربية بالأسواق الأمريكية، برصيد تراكمي يصل إلى 44.7 مليار دولار حتى نهاية 2020[17].

قال خلدون المبارك، الرئيس التنفيذي لمبادلة، إن أكثر من 100 مليار دولار من أصل 232 مليار دولار من أصول الصندوق الحكومي تم استثمارها في الولايات المتحدة[18]

ولطالما كانت الإمارات من أقرب شركاء واشنطن في الشرق الأوسط، الاستثمار بكثافة في الأصول الأمريكية، وشراء عشرات المليارات من الدولارات من الأسلحة الأمريكية، وتهدف هذه الاستثمارات إلى خلق لوبي مؤثر في الإدارة الأمريكية وبحسب الوثائق فمنذ عام 2011 بلغت مدفوعات اللوبي الإماراتي «المُعلن عنها» في واشنطن 132 مليون و716 ألف دولار أمريكي مقابل خدمات ضغط سياسي، أو حملات علاقات عامة لتحقيق المصالح الإماراتية في واشنطن[19].

وبالفعل نجحت الإمارات في تكوين لوبي مؤثر وفعال داخل الولايات المتحدة وربما ما كشفت عنه وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة جانب بسيط من حجم هذا اللوبي، فقد اتُهمت الإمارات بأنها استخدمت برامج إسرائيلية ووظفت مسؤولين سابقين في المخابرات الأمريكية للتجسس على رؤساء ونشطاء ومعارضين، واكتسبت هذه الاتهامات أهمية أكبر مع اعتراف ثلاثة عملاء استخبارات سابقين في وزارة العدل الأمريكية بأنهم نفذوا عمليات قرصنة نيابة عن الإمارات[20]، كما أن لائحة اتهام ضد توماس جيه باراك، رئيس اللجنة الافتتاحية للرئيس السابق دونالد ترامب لعام 2016، بتهمة عدم التسجيل كعميل أجنبي نيابة عن الإمارات، إلى جانب أدلة جديدة على تجسس إماراتي على المعارضين في بريطانيا[21]. وتضمنت أجهزة النفوذ الإماراتية 20 شركة أمريكية دفعت 20 مليون دولار للعمل نيابة عن عملاء إماراتيين في عام 2018، وفقاً للتقرير، الذي نشره مركز السياسة الدولي. وأفادت تقارير المركز ذاته بأن الشركات العشرين العاملة مع الإمارات العربية المتحدة أفادت بتنفيذ 3168 "نشاطاً سياسياً" نيابة عن الدولة الخليجية[22].

2- بريطانيا

تعتبر دولة الإمارات أكبر شريك اقتصادي لبريطانيا في دول الخليج، حيث يبلغ إجمالي التجارة بين البلدين 17.5 مليار جنيه إسترليني (نحو 23 مليار دولار)، حسب بيانات رسمية إماراتية. وعلى صعيد الاستثمار، تُعد بريطانيا في المرتبة الأولى كأكبر مستثمر أجنبي في أسواق الإمارات بقيمة 20.5 مليار دولار. وخلال السنوات الست الماضية، استحوذت بريطانيا وحدها على 20% من إجمالي التدفقات الاستثمارية الواردة إلى الإمارات[23].

وفي سبتمبر2021 وعلى هامش زيارة بن زايد لبريطانيا، أعلنت الإمارات أنها تعتزم ضخ 10 مليارات جنيه إسترليني (13.8 مليار دولار) في الاقتصاد البريطاني خلال السنوات الخمس المقبلة، في إطار سعي الدولة الخليجية لتنويع استثماراتها غير النفطية، وارتفع الاستثمار المتبادل بين البلدين إلى 13.4 مليار جنيه إسترليني (18.5 مليار دولار) في 2019، فيما بلغ التبادل التجاري 25.7 مليار دولار خلال الفترة نفسه،  ويأتي هذا الإعلان مكملاً لاستثمار قام به صندوق "مبادلة" في مارس2021 بقيمة 800 مليون جنيه إسترليني في علوم الحياة، وذلك عندما دشن البلدان "شراكة الاستثمار السيادي"[24]. كذلك أعلنت موانئ دبي أنها ستستثمر 300 مليون جنيه إسترليني في إنشاء رصيف رابع في مشروع ميناء بوابة لندن، تضاف إلى ملياري جنيه إسترليني تم استثمارها بالفعل في المملكة المتحدة على مدى العقد الماضي[25].

وعن التأثير الإماراتي في السياسة البريطانية، كشف تقرير أصدرته منظمة "سبين ووتش" البريطانية المعنية بمتابعة قضايا الفساد السياسي ومراقبة جماعات الضغط، اتهمت فيه أبو ظبي بدعم الثورات المضادة في دول الربيع العربي بهدف الحيلولة دون انتشار الديمقراطية في الخليج والشرق الأوسط.وكشف التقرير، عن محاولات أبو ظبي ابتزاز رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد كاميرون، حين كان في منصبه، من خلال الصفقات التجارية والامتيازات النفطية لكي تسكت حكومته كل صوت في الإعلام البريطاني يشذ عن الخط الذي تتبناه الإمارات تجاه الربيع العربي.".[26]

وتتمتع الإمارات بشبكة واسعة من جماعات الضغط التي تشمل المؤسسات الأكاديمية ومراكز الفكر وخير مثال على ذلك هو برنامج الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر الذي يتلقى أموالاً من الإمارات، وبلغ مبلغ التمويل 8 ملايين جنيه إسترليني على مدى السنوات العشرين الماضية، ولكن أدت تكتيكات الضغط التي تتبعها الإمارات وإنفاق الأموال بشكل غير قانوني من أجل كسب النفوذ، والحقائق التي تم كشف النقاب عنها بعد اختراق رسائل البريد الإلكتروني لجماعات الضغط الإماراتية، إلى انزعاج كبير في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا[27].

كما كشفت وسائل إعلام غربية أن الإمارات تجسست على مكتب رئيس الوزراء البريطاني، فقد ذكر مركز أبحاث كندي أن مكتب رئيس الوزراء البريطاني ووزارة الخارجية البريطانية تعرضا للتجسس من خلال برنامج "بيغاسوس" (Pegasus) الإسرائيلي، وأوضح المركز المتخصص بجمع البيانات وتحليلها على الإنترنت أن الاستهدافات المشتبه فيها بيغاسوس والمتعلقة بمكتب رئيس الوزراء البريطاني مرتبطة بدولة الإمارات، وأن الاستهدافات المتعلقة بالخارجية البريطانية ترتبط بالإمارات والهند وقبرص والأردن[28].

3- فرنسا

تُعد الإمارات من أكبر الشركاء التجاريين لفرنسا في الخليج والمنطقة إذ بلغ التبادل التجاري بين دولة الإمارات وفرنسا خلال عام 2021 نحو 25 مليار درهم محققاً نمواً قدره 25.9% مقارنة بعام 2020 الذي سجل التبادل التجاري خلاله 19.8 مليار درهم.

وحسب بيانات حكومية، بلغ إجمالي تدفقات الاستثمار الإماراتي في فرنسا نحو 172.9 مليون دولار بين عامي 2016 و2020، بينما بلغ إجمالي تدفقات الاستثمار الفرنسي في الإمارات نحو 3.123 مليار دولار بين عامي 2016 و2020.وتعتبر قطاعات الطاقة المتجددة والفحم والنفط والغاز والمنتجات الاستهلاكية والمنسوجات والنقل والتخزين، من أهم قطاعات الاستثمار في فرنسا، وبلغ عدد الشركات الفرنسية التي تستثمر وتعمل بأسواق الإمارات أكثر من 600 شركة فرنسية.، فيما بلغ إجمالي عدد الشركات الإماراتية التي استثمرت في فرنسا 21 شركة[29].

وخلال زيارة ماكرون لأبوظبي، في ديسمبر 2021، وقع البلدان صفقة بأكثر من 18 مليار دولار لتوريد 80 طائرة رافال، و12 طائرة هيلوكوبتر "كاراكال" الفرنسيتين للإمارات، وفي يوليو2022، وخلال زيارة الشيخ محمد بن زايد لفرنسا تم إطلاق مجلس الأعمال الإماراتي - الفرنسي بالإضافة إلى توقيع 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وتنمية آفاقها في مختلف المجالات[30]

وبعيداً عن التعاون الرسمي يوجد لوبي فرنسي مؤثر داعم للسياسة الإماراتية، وأكد تقرير نشره موقع "ميديا بارت" أن لوبياً فرنسياً يعمل بشكل مكثف لتشويه سمعة الدوحة، ونشر كتب ومقالات ومحاضرات في فرنسا وبريطانيا، بتمويل من السعودية والامارات ودعم من مقربين من النظام المصري، وأفاد التقرير أن مؤسسة "جلوبال واتش"، التي تأسست منذ أقل من عام، ويديرها محامو أعمال بريطانيون ويمولها المركز العربي للصحافة بي سي القاهرة، الذي يشبه مؤسسة ثقافية، ولكنه بالأحرى شركة قابضة مالية تسيطر عليها وتدعمها 100٪ الحكومة الإماراتية[31].

4- روسيا

ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة لدولة الإمارات في روسيا إلى 361.9 مليون دولار (1.33 مليار درهم) في العام 2020 مقابل 313.6 مليون دولار (1.15 مليار درهم) في العام 2018، وفق بيانات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء.

وأظهرت بيانات التنافسية والإحصاء، أن حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة لروسيا في دولة الإمارات زادت من 978.4 مليون دولار (3.59 مليارات درهم) في 2018، متخطية حاجز المليار لتبلغ 1.026 مليار دولار (3.77 مليارات درهم) في 2020.[32]

وتُعد الإمارات، الوجهة الأولى عربياً للاستثمارات الروسية، إذ تستحوذ على 90% من إجمالي استثمارات روسيا في الدول العربية، وفي المقابل، فإن الإمارات هي أكبر مستثمر عربي في روسيا، وتسهم بأكثر من 80% من إجمالي الاستثمارات العربية فيها، حيث يبلغ حجم رصيد الاستثمارات المتبادلة بين الإمارات وروسيا نحو 1.8 مليار دولار (نحو 6.6 مليارات درهم)، بينما حققت الاستثمارات الأجنبية الروسية المباشرة في الإمارات نمواً بنسبة 13% خلال عام 2019 مقارنة بعام 2018[33].

واستثمرت مؤسسة مبادلة للاستثمار ، صندوق الاستثمار السيادي لدولة الإمارات، 3.6 مليار دولار في 50 شركة روسية اعتبارًا من عام 2022، اثنان على الأقل من هذه الاستثمارات، تبلغ قيمتهما حوالي 400 مليون دولار ، مرتبطان بمليارديرات روس خاضعين للعقوبات[34]

وتهدف الامارات من توثيق علاقاتها عبر زيادة استثماراتها في روسيا إلى بناء تحالف لتعويض الموقف الأمريكي المتخاذل ولتنويع مصادر السلاح والاستفادة من الخبرة الروسية في المفاعلات النووية.

ثانياً:- الاقتصاديات الصاعدة

قال العضو المنتدب للجهاز "حامد بن زايد آل نهيان"، أحد الأبناء الـ 17 الباقين على قيد الحياة للوالد المؤسس لدولة الإمارات الشيخ "زايد": "ما زلنا نرى الصين والهند كمحركين رئيسيين للنمو العالمي في الأعوام القادمة".[35] لذا ركزت الامارات في الفترة الأخيرة على توسيع استثماراتها في الهند والصين بل ودعم حكوماتهما بشكل كبير.

1- الصين

الصين تعد أكبر شريك تجاري للإمارات على مستوى العالم؛ حيث بلغت نسبة نمو التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين خلال النصف الأول من العام 2021 أكثر من 25%، مقارنة بالنصف الأول من عام 2020، ووصل حجمها خلال النصف الأول من 2021 إلى نحو 103 مليارات درهم، فيما قاربت قيمتها نحو 175 مليار درهم خلال 2020؛ إذ استحوذت الصين على 12% من إجمالي التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات خلال 2020. وعلى صعيد الاستثمار، فبلغت قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد لدولة الإمارات من الصين بنهاية عام 2019 نحو 20 مليار درهم، وتأتي الإمارات ضمن قائمة أهم 20 سوقاً عالمياً والأول عربياً للاستثمار الصيني المتدفق للخارج لنهاية 2019، وفي المقابل، تستثمر الشركات الإماراتية في الصين بنحو 30 مليار درهم[36].

ووصلت قيمة رصيد الاستثمارات الإماراتية التراكمية المباشرة في الصين، نحو 2.775 مليار في العام ذاته، وتشمل قائمة الاستثمارات الإماراتية في الصين، الاستثمار في مجال تشغيل الموانئ والتصنيع والبتروكيماويات والغاز والتكنولوجيا والعقارات، على أن قائمة أهم الشركات الإماراتية المستثمرة، تشمل «بروج» و«الإمارات العالمية للألمنيوم» و«مبادلة»، وشركة بترول أبوظبي الوطنية، وموانئ دبي العالمية[37].

2- الهند

شهدت العلاقات الاقتصادية بين الإمارات والهند تطوراً  ملحوظاً خلال السنوات الماضية؛ حيث قفز التبادل التجاري بين البلدين من 180 مليون دولار في 1971 إلى أكثر من 60 مليار دولار حالياً.

وتُعد الإمارات ثالث أكبر شريك تجاري للهند للعام الثامن على التوالي في 2020-2021، في حين زاد حجم التجارة الثنائية غير النفطية من 185 مليون دولار في 1985 إلى أكثر من 43 مليار دولار في 2020-2021.وقفز الاستثمار الأجنبي المباشر من الإمارات إلى الهند أيضاً من 339 مليون دولار في 2020 إلى 4.2 مليارات دولار في 2021، وتقدمت الإمارات إلى أحد أكبر 5 شركاء تجاريين بالنسبة إلى الهند.

وشهدت السنوات الأخيرة نمواً في تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر بين البلدين، ففي 2019 ضخت شركات إماراتية استثمارات بقيمة 7 مليارات دولار لإنشاء ممر غذائي بين الإمارات والهند ووفق "اتحاد الصناعات الهندية" تبلغ الاستثمارات الهندية في الإمارات 55 مليار دولار، وفي يونيو 2020، استثمرت "مبادلة" 1.2 مليار دولار في شركة الاتصالات الهندية "جيو بلاتفورم"،[38]، وفي 20 أبريل 2022 استحوذ جهاز أبو ظبي للاستثمار على 10% من أسهم أكبر شركة لتمويل الإسكان بالهند (إتش.دي.إف. سي)، مقابل 1.84 مليار روبية (24.09 مليون دولار).[39]

وتوقع وزير الاقتصاد الإماراتي عبدالله بن طوق المري أن اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والإمارات ستدفع التجارة غير النفطية إلى 100 مليار دولار في خمس سنوات،[40]

وفي  يوليو 2022 قالت موانئ دبي العالمية إن صندوق الاستثمار الوطني والبنية التحتية الهندي وافق على استثمار حوالي 300 مليون دولار في شركة هندوستان بورتس برايفت ليمتد التابعة لموانئ دبي العالمية مقابل حصة تبلغ 22.5٪ في الكيان[41]، ودخلت اتفاقية التجارة الحرة بين الإمارات والهند حيز التنفيذ في الأول من مايو 2022 وتهدف الاتفاقية، إلى زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 100 مليار دولار في غضون خمس سنوات...[42]

ثالثاً: - استثمارات بهدف بناء العلاقات وتجاوز الخلافات

1- تركيا

تُعدُّ الإمارات من بين أكبر المستثمرين العرب في تركيا، وتتنوّع الاستثمارات الإماراتية هناك في قطاعات مختلفة أبرزها: الخدمات المالية، والعقارات، والفنادق ليبلغ حجم الاستثمارات الإماراتية بين (2002 – 2020) نحو 4.8 مليارات دولار (17.6 مليار درهم)، وفق بيانات البنك المركزي التركي.

الإمارات تعدُّ أبرز الشركاء التجاريين والاستثماريين لتركيا في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج؛ فعلى الصعيد التجاري، تضاعف التبادل التجاري بين الدولتين 4 مرات تقريباً، من 2.7 مليار دولار عام 2010، إلى 8.8 مليارات دولار في عام 2020[43].

وبالرغم من التجاذب والخلافات السياسية خلال الأعوام الماضية إلا أن أنقرة وأبو ظبي حافظت على استقرار العلاقات التجارية بينهما، وتوسعت لتشمل جوانب واتجاهات جديدة خلال فترة كورونا، وبحسب بيانات وزارة الخارجية التركية، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين قرابة 7.4 مليارات دولار أمريكي عام 2019، ونحو 7.6 مليارات دولار عام 2018، ووفق هذه الأرقام، فإن الإمارات العربية المتحدة تحل في المرتبة الـ 12 كأكبر مستورد للسلع التركية على مستوى العالم والثانية عربياً بعد العراق، وفي المرتبة التاسعة كأكبر مصدّر للسوق التركية عالمياً والأولى عربياً.

وبينما بلغ مجموع الاستثمارات الخليجية في تركيا قرابة 11.4 مليار دولار خلال السنوات الـ 18 الأخيرة، حلت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الأولى بين الدول الخليجية كأكبر مستثمر في تركيا بقيمة بلغت نحو 4.3 مليارات دولار.[44].

وبعد سنوات من الصراع السياسي والمنافسة الإقليمية ومع بدء إعادة بناء العلاقات مع تركيا خصصت الإمارات مبلغ 10 مليارات دولار للاستثمار في تركيا خلال زيارة بن زايد إلى تركيا[45]، وأعقب هذا الإعلان توقيع مذكرات تطوير العلاقات والاستثمارات بين الدولتين، والإعلان عن بعض الاستثمارات الإماراتية.

وتهدف هذه الاستثمارات تهدئة العلاقات وتطويرها مع تركيا وتخفيف حدة الصراعات في مناطق عدة منها ليبيا وسوريا وتونس والسودان وغيرها.

2- إسرائيل

يٌعد الاقتصاد مدخل أساسي في محطات الوصول إلى اتفاقية إبراهيم بين الدولتين لذا شهدت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين إسرائيل والإمارات الزخم الأكبر بين الدول التي تسعى إلى التطبيع مع إسرائيل.

فبعد فترة وجيزة من إبرام الاتفاقيات، أعلنت الإمارات عن خطط لاستثمار 10 مليارات دولار "في إسرائيل ..[46]. ونقلت وكالة رويترز عن وزير الاقتصاد الإماراتي عبد الله بن طوق المري قوله إن الإمارات تهدف إلى أن ترفع قيمة النشاط الاقتصادي مع إسرائيل لأكثر من تريليون دولار خلال السنوات العشر المقبلة[47]، كما أنشأت أبوظبي مكتباً في "تل أبيب" لاستثمار 10 مليارات دولار في مختلف جوانب الاقتصاد الإسرائيلي.[48].

وقال وزير التجارة الخارجية الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي إن "التجارة بين الإمارات وإسرائيل بلغت 2.5 مليار دولار في أقل من عامين من العلاقات الرسمية".وأضاف الوزير الإماراتي أنه تم توقيع 65 صفقة ومذكرة تفاهم بين الإمارات وإسرائيل حتى الآن ، مضيفًا أن "أكثر من 1000 شركة إسرائيلية على وشك إقامة وجود تجاري في بلادنا هذا العام""[49]. وكشفت صحيفة "غلوبس" (globes) الإسرائيلية استنادا لمصادر مقربة أن أبو ظبي ستستثمر 10 مليارات دولار في الشركات الإسرائيلية، وأشارت إلى أن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد قرر إلغاء تجميد هذا الاستثمار عقب زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لبلاده[50].

وفي 31 مايو أبرمت الإمارات وإسرائيل اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة بهدف توطيد العلاقات التجارية والاستثمارية وتحفيز التجارة البينية غير النفطية وصولاً إلى 10 مليارات دولار سنوياً في غضون الأعوام الخمسة المقبلة. ".[51].

وتهدف الإمارات من استثماراتها في إسرائيل إلى زيادة توثيق العلاقات بين الدولتين والعمل على إنجاح اتفاقيات التطبيع وابرازها كنموذج تحفيزي لدول المنطقة،  فالاستثمارات الإماراتية في "إسرائيل"، ذات طابع سياسي صرف، وأنها لا تعدو كونها محاولة لتفعيل اتفاق التطبيع بين الطرفين ومنحه ثقلاً على كل المستويات كما أن أبوظبي تهدف من خلاله لتعظيم دورها في المنطقة استناداً لدولة الاحتلال.

رابعاً: - استثمارات بهدف الهيمنة السياسية

1- مصر

تعتبر الاستثمارات الإماراتية في مصر نموذج واضح لتوظيف الاقتصاد كمدخل للهيمنة السياسية، فبالرغم من تاريخ طويل من العلاقات والتعاون بين الدولتين منذ نشأة اتحاد الإمارات العربية في 1971، إلا ان تلك العلاقة في عقدها الأخير تختلف تماماً عن المراحل السابقة، فقد انتقلت العلاقة من الدعم والتعاون إلى الهيمنة، فخلال أكثر من 8 سنوات، تشابكت العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية بين أبوظبي والقاهرة، بشكل ملفت، جعل من الثانية رهينة للقرار الإماراتي في ملفات عدة حساسة داخليا وإقليميا.

وتُعد الإمارات أقوى حلفاء "السيسي" منذ وصوله للحكم عبر انقلاب عسكري، منتصف العام 2013، كما تعد أحد أبرز مموليه بالودائع والقروض والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة.

ومع توالي إقبال "السيسي" على طلب ودائع وقروض، يبدو أن صانع القرار الإماراتي لم يعد في ترف لمنحه ما يريد، لا سيما بعد استتباب الأوضاع لها في مصر، والتخلص من جماعة "الإخوان المسلمون"،  بدا ذلك جليا، يناير الماضي، حينما وجه الجانب الإماراتي، الحكومة المصرية، لطلب قرض من بنوك إماراتية وخليجية، وهو ما تم بموجبه، منح مصر قرضا مجمعا بقيمة 3 مليارات دولار، شاركت فيه بنوك "الإمارات دبي الوطني، أبوظبي الأول، أبوظبي الإسلامي، البنك الأهلي الكويتي، والمؤسسة العربية المصرفية، الكويت الوطني، وبنك وربة الكويتي".

ويبلغ رصيد الودائع الإماراتية في البنك المركزي المصري 5.7 مليارات دولار للإمارات، بنهاية سبتمبر 2021، وفق تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد الصادر عن البنك المركزي المصري.

التوجه الإماراتي الجديد يذهب إلى شراء حصص وأصول حكومية في الشركات والبنوك المصرية، بدلا من الدعم النقدي والقروض، ". هذا التحول تمت ترجمته في صفقة كبيرة، حصل بموجبها صندوق الثروة السيادي في أبوظبي (حكومي) على حصص من أصول مملوكة للحكومة المصرية في عدد من الشركات. بحسب وكالة "بلومبرج" الأمريكية، الصفقة المعلن عنها، ليست الأولى أو الأخيرة، فقد سبقتها استحواذات ضخمة، قبل وبعد إطلاق صندوق مصر السيادي منصة استثمارية مع الإمارات، بقيمة 20 مليار دولار، العام 2019.[52]

وإجمالاً، تسيطر موانئ دبي على 49% من مشاريع قناة السويس الاقتصادية، كما تسيطر على 90% من ميناء العين السخنة الاستراتيجي، كما أن شركة الملاحة العربية المتحدة لديها امتياز تجديد وبناء محطة حاويات ثنائية بميناء شرق بورسعيد، وشركة مجموعة الامارات الوطنية تملك أكثر من 70% من مشروع النقل الجماعي في القاهرة، وشركة دراغون أويل الاماراتية لديها امتيازات انتاج واكتشاف النفط في خليج السويس، وشركة مبادلة للبترول الإماراتية تستحوذ على حصة 20% من حقل نور للغاز، وشركة ثاني دبي لديها حقوق التنقيب عن الذهب في مثلث حلاليب، وشركة أبراج كابيتال تستحوذ على أجزاء كبيرة من القطاع الصحي[53]   فتوسُّع الإمارات بهذه الاستثمارات الضخمة أمر كاشف عن حجم النفوذ السياسي الذي تتمتع به في مصر.

وأفاد جمال الجروان، الأمين العام لمجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج، أن الاستثمارات الإماراتية في مصر قد تجاوزت 20 مليار دولار، مع توقعات أن تصل إلى 35 مليار دولار في السنوات الخمس القادمة[54].

وكشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، عن ارتفاع قيمة الاستثمارات الإماراتية في مصر لتصل إلى 1.9 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2021- 2022 مقابل 712.6 مليون دولار خلال نفس الفترة من العام المالي 2020 -2021 بنسبة ارتفاع 169.1%. [55]

كما كشف مصدران حكوميان مصريان، أن القمة التي عقدت، 21أغسطس2022، بين الرئيس "عبدالفتاح السيسي" ونظيره الإماراتي "محمد بن زايد"، تركزت على بحث الاستثمارات الإماراتية في مصر، والتي تعثر بعضها مؤخرا لأسباب عدة.

وبالرغم من توتر العلاقات في الفترة الأخيرة إلا أن هذه الاستثمارات تُعيد العلاقات إلى أوجهها مرة أخرى وتتضح نتيجة هذه الاستثمارات في التبعية الواضحة للمواقف المصرية تجاه القضايا الخارجية فباتت القاهرة تابعة لأبوظبي في معظم المواقف.

2- السودان

وصل حجم الاستثمارات والتمويلات التنموية الإجمالية التي قدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة لجمهورية السودان إلى أكثر من 28 مليار درهم تساوي نحو 7.6 مليار دولار، فيما تعمل 17 شركة إماراتية بقطاعات اقتصادية متنوعة في السودان.

وكشف تقرير أصدره صندوق أبوظبي للتنمية عن تمويل مشاريع تنموية في قطاعات متنوعة واستثمارات وودائع للسودان، بقيمة إجمالية وصلت إلى نحو 7.3 مليار درهم، حيث يحتل السودان صدارة الدول المستفيدة من تمويلات الصندوق، الهادفة إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وتمكن الصندوق من تمويل نحو 17 مشروعاً تنموياً بنحو ملياري درهم، ويرتبط القطاع الخاص الإماراتي بشراكة قوية مع نظيره السوداني من خلال استثمارات متنوعة، تجاوزت قيمتها التراكمية الـ 18 مليار درهم، حيث تستثمر 17 شركة إماراتية في السودان في مجالات الزراعة والسياحة والطيران والنفط والغاز، وغيرها من القطاعات المهمة. [56]

ففي ظل تمدد الإمارات في ميناء عصب بإريتريا وسواحل جنوبي اليمن، وسحب البساط من تحت أرجلها في موانئ جيبوتي وأرض الصومال، "يزداد اهتمامها بالسواحل السودانية".، فتسعى للسيطرة على ميناء سواكن الذي كان يعد الميناء الرئيسي بالمنطقة [57].

وفي يونيو 2022 أٌعلن عن أن إن الإمارات ستبني ميناء جديدا في السودان على البحر الأحمر في إطار حزمة استثمار بقيمة 6 مليارات دولار التي تتضمن إنشاء منطقة للتجارة الحرة ومشروعا زراعيا كبيرا ووديعة وشيكة في البنك المركزي السوداني بقيمة 300 مليون دولار، وفق رويترز[58].

ويمثل السودان مطمعاً بسبب احتياجاته المتزايدة للمساعدات في جميع المجالات، فكان من أهداف الاستثمار الاماراتي تحفيز ودفع السودان للتطبيع مع إسرائيل وهو ما تحقق بالفعل، كما أن أحد الدوافع الأساسية للإمارات للإقدام على هذه الخطوات التحفيزية، استمرار مزاحمة السعودية في منطقة شرق أفريقيا والبحر الأحمر، وتقليص نفوذها الإقليمي.

3- العراق

في إبريل 2021 أعلنت الإمارات عن تخصيص 3 مليارات دولار للاستثمار في العراق، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والتعاون بين البلدين، وتظهر بيانات وزارة الاقتصاد الإماراتية، أن تجارتها الخارجية مع العراق، بلغت في 2019 نحو 15.1 مليار دولار[59].  ويقدر خبراء اقتصاديون حجم الاستثمارات الإماراتية في العراق بنحو سبع مليارات دولار، وبدأ الحديث يتصاعد عن دور إماراتي تشهده الساحة العراقية، يطل من نافذة الاقتصاد والتعاون المشترك، إلا أن أذرعه تتحرك شمالا وجنوبا. ووجدت الإمارات في إقليم كردستان أرضا خصبة للاستثمارات، ربما تكون مدخلا لنفوذ سياسي في المستقبل، لذا سعت إلى توطيد استثماراتها النفطية والغازية في الأماكن الآمنة البعيدة عن المناطق المتنازع عليها، وفي مقدمة الشركات التي ولجت إلى استثمارات النفط والغاز هناك مجموعة "بيرل بتروليوم"، التي تمتلك عدة شركات إماراتية حصصا كبيرة فيها، مثل شركة دانة غاز التي تمتلك 35% من أسهمها، وشركة طاقة التي تستحوذ على 20% من أسهم شركة ويسترن زاكروس الكندية، وغيرها.

الرغبة الإماراتية في المساهمة بإدارة قطاع الموانئ العراقية حظيت بموافقة بغداد، حيث أعلنت وزارة النقل العراقية، في 17 سبتمبر 2021، توقيع مذكرة تفاهم مع شركة موانئ أبوظبي الإماراتية لتعزيز العلاقات الثنائية في قطاع النقل عموماً والبحري على وجه الخصوص.[60]

ويشبّه دور الإمارات في العراق حاليا بدورها في جزيرة سقطرى اليمنية، حيث تحاول اليوم الدخول واستمالة السياسيين للسيطرة على الموانئ والمطارات، وتسعى للسيطرة على الحدود العراقية مع تركيا، وتدعم إقليم كردستان لكي يبقى "شوكة عالقة" في فم أنقرة، في ظل النزاع الإقليمي المستمر بينهما.

4- تونس

تصدرت الإمارات الدول العربية من حيث حجم الاستثمارات العربية المباشرة في تونس خلال عام 2018، بإجمالي استثمارات بلغ نحو 88,08 مليون دينار (29.24 مليون دولار) مقابل استثمارات بقيمة 21,43 مليون دينار (7.11 مليون دولار) خلال عام 2017[61].

وبعد عدة سنوات من التوتر عقب ثورة تونس 2011، أعلنت رئاسة الحكومة في تونس مؤخراً عن ارتياحها لاستعادة نسق الاستثمار مع دولة الإمارات في وقت أعلنت فيه «مجموعة بوخاطر» الإماراتية عن إعادة إحياء مشروع عقاري متكامل بقيمة 5 مليارات دولار في إحدى ضواحي العاصمة تونس.

ومشروع «مدينة تونس الرياضية»، الذي عرض في عام 2008 والمقدر كلفته بنحو خمس مليارات دولار، هو من بين مشاريع أخرى ضخمة لشركات إماراتية تعثرت إبان اندلاع الثورة عام 2011. وكانت تونس قد وقعت قبل الثورة اتفاقاً مع شركة «سماء دبي» لإنشاء مدينة «باب المتوسط» على ضفاف بحيرة الضاحية الجنوبية للعاصمة، وهو أضخم استثمار خارجي منفرد على الإطلاق بكلفة قدرت بنحو 14 مليار دولار[62]. وبالنتيجة، يمكننا القول إن أبوظبي تبذل جهودًا محمومة لتوجيه السياسة التونسية الداخلية والخارجية لبناء النظام الإقليمي الذي تتصوره، والذي يتم فيه القضاء على الحركات الإسلامية، وتوجيه السياسة الداخلية والخارجية للبلاد بأدوات اقتصادية، والحد من نشاط بعض البلدان الفاعلة في المنطقة، مثل تركيا.

فتونس كما مصر سعت الامارات إلى ربطها بها ولكن نجاحها الذي حققته في مصر لم تستطع تحقيقه في تونس فقد واجهتها عقبات عدة، ولكن مازالت الامارات تحاول انتهاج نفس السياسة والسعي لنفس النتيجة المصرية وقد نجحت في ذلك نسبيا مع الانقلاب الدستوري الذي قام به قيس بن سعيد وابعاد حركة النهضة من المشهد تقريباً

5- اليمن

لم يكن مشاركة الإمارات في التحالف العربي في مارس 2015، بدافع إعادة الشرعية ولا إعادة السلام لليمن، ولا حتى محاربة النفوذ الإيراني، بل كان جل اهتمامها محصورًا في تحقيق عدة أهداف أهمها:

أولًا: عدن لما لها من أهمية استراتيجية جغرافيا متمثلة بمضيق باب المندب في البحر الأحمر، وثانيا الموانئ اليمنية ذات الأهمية الاستراتيجية وتخوف أبو ظبي على ريادة موانئها المهمة عالميًا، وثالثا الجزر والسواحل اليمنية وأهمها جزيرة سقطرى التي تملك موقعًا استراتيجيًّا في بحر العرب وجزيرة ميون الواقعة في مضيق باب المندب، وأخيرًا محاربة الإسلام السياسي المتمثل بحزب الإصلاح، والذي كان يعتبر قبل بداية «عاصفة الحزم» قوة لا يستهان بها.

نجحت الإمارات في تحقيق أهدافها في الانتشار في مناطق استراتيجية باليمن بالرغم من الإعلان عن انسحابها، 2020، فعلى الأرض يسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، على كامل محافظة عدن (جنوب)، العاصمة المؤقتة للبلاد بدلا من صنعاء، وتعد ثاني أهم المحافظات بعد صنعاء، حيث كانت توصف قبل الحرب بأنها العاصمة الاقتصادية والتجارية للبلاد. كما يسيطر المجلس على محافظة أرخبيل سقطرى الاستراتيجية الحيوية، على المحيط الهندي، جنوب شرقي اليمن، منذ يونيو 2020. وإضافة إلى ذلك، يتقاسم المجلس الانتقالي مع الحكومة السيطرة على محافظة أبين، ويحظى بامتياز السيطرة على مدينة زنجبار عاصمة المحافظة، ويتمتع المجلس الانتقالي الجنوبي أيضًا بحضور عسكري وشعبي في محافظتي الضالع ولحج جنوبي اليمن، وإضافة إلى ذلك، تتواجد أيضا قوات إماراتية في محافظة شبوة، تحديدا في "منشأة بلحاف الغازية" التي تعد من أهم موارد البلاد الاقتصادية[63].

كما أفادت وكالة " أسوشيتد برس" أن القوات اليمنية المدعومة إماراتياً سيطرت على حقول النفط والغاز الحيوية في الجنوب، وقال مسؤولون أمنيون ونفطيون إن  تلك الميليشيات استولت على عتق عاصمة محافظة شبوة[64]

ففي ظل هذه المكاسب التي حققتها الإمارات من المتوقع أن تزيد الإمارات من هيمنتها والاستقرار في المناطق التابعة لها وتحقيق المزيد من المكاسب وخاصة في جزيرة "سقطرى" والسعي لتحقيق مخططها بفصل جنوب اليمن عن شماله وقد تنجح في ذلك في ظل المعطيات الميدانية الحالية.

6- الأردن

شهدت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الإمارات والمملكة الأردنية الهاشمية طفرة هائلة خلال السنوات العشر الماضية. ومع تفعيل الاتفاقيات تطورت التجارة الخارجية بين البلدين بشكل كبير؛ ففي حين بلغ حجم التبادل التجاري عام 2011 نحو 350 مليون دولار فقط، وبحسب بيانات وزارة الاقتصاد وصل إجمالي التجارة الخارجية غير النفطية فقط بين الجانبين عام 2019 إلى نحو 10.4 مليارات درهم. وأبرمت الإمارات والأردن العديد من الاتفاقيات ساهمت في تعزيز التعاون وزيادة التبادل التجاري وتدفق الاستثمارات. وتجاوزت الاستثمارات الإماراتية في الأردن 17 مليار دولار، ويتجاوز عدد الأردنيين المقيمين في الإمارات 200 ألف شخص يمارسون عملهم في العديد من الوظائف والمهن والأنشطة التجارية[65].

وفي مايو 2022 أعلنت الإمارات، أن شركة أبوظبي القابضة ADQ ستخصص صندوقا استثماريا بقيمة 10 مليارات دولار للاستثمار في المشاريع المنبثقة عن الشراكة الصناعية التكاملية مع الأردن ومصر[66]

كما أطلقت «القابضة«(ADQ)، صندوق رأس مال استثماري في مجال التكنولوجيا، بقيمة (100 مليون دولار)، بالتعاون مع وزارة الاقتصاد الرقمي والرّيادة في المملكة الأردنية الهاشمية، وذلك بهدف دعم شركات التكنولوجيا عالية النموّ، وتعزيز استمرار الازدهار الرقميّ لاقتصاد المملكة[67].

ونظراً لمعطيات عدة أهمها جيرتها لإسرائيل وارتباطها بالملف الفلسطيني تحافظ الإمارات على علاقتها بالأردن بالرغم من أنها تمر بتقلبات بين الحين والآخر، ما أثّر بشكل مباشر على العلاقات السياسية بين عمّان وأبوظبي، وفي الآونة الأخيرة وبعد اتفاقية التطبيع دأبت الإمارات على توسيع استثماراتها مع الأردن وهذا ما يبدو بوضوح من خلال اتفاقية الشراكة الثلاثية بين الإمارات ومصر والأردن سعياً للحفاظ على استقرار النظام الأردني الذي يعاني من مصاعب اقتصادية جمة ورغبة في توظيف القرار الأردني لخدمة السياسية الإماراتية.

خامساً: - استثمارات بهدف التغلغل السياسي والتوظيف الجيوسياسي

أ- الاستثمارات في أفريقيا

اضطلعت الإمارات، في السنوات الأخيرة، بدور متعاظم في الشؤون الأفريقية القارّية، مُستغِلّةً في ذلك أذرعها الاقتصادية، والمظلّة التنظيمية الأبرز في القارة: «الاتحاد الأفريقي»، الذي نالت فيه صفة مراقب عام 2011.

وتُعد الإمارات من أكثر دول مجلس التعاون الخليجي استثماراً في أفريقيا، وأظهر تقرير أصدرته "غرفة دبي" بالتعاون مع "الإيكونومست، أن من أبرز مشروعات الإمارات في القارة السوداء، حسب الدراسة، إنشاء موانئ دبي العالمية لمحطة الحاويات (دوراليه) في جيبوتي عام 2000، وكان أول استثمار لـ موانئ دبي العالمية" خارج الإمارة، واستثمرت فيها نحو مليار ونصف المليار دولار مما جعله ثالث أكبر ميناء للحاويات في أفريقيا، وتساهم بنحو ربع الناتج المحلي الإجمالي في جيبوتي، ووفقاً للتقرير تستحوذ الشركات الإماراتية على 88% من الاستثمارات الخليجية في أفريقيا جنوب الصحراء.[68].

وتجاوزت تجارة الإمارات غير البترولية مع أفريقيا، في الشهور التسعة الأولى من عام 2020، 40.7 بليون دولار، مقارنة بـ 36.9 بليون دولار في الفترة نفسها من عام 2019. واحتلّت كينيا لائحة الدول الأفريقية التي شهدت علاقاتها التجارية مع الإمارات نموّاً مطّرداً، سَجَّل 2.7 بليون دولار في عام 2019 مقارنة بـ1.5 بليون دولار في عام 2015. وفي يوليو 2022 وقعت الإمارات مذكرة مع كينيا تعلن عزمها على توقيع اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مماثلة لتلك مع إسرائيل والهند، وستسهم هذه الاتفاقية بشكل كبير في تعزيز التجارة الثنائية غير النفطية التي نمت إلى 2.3. مليار دولار في العام الماضي[69].

وتُمثّل شركة «مبادلة للبترول»، المملوكة لأبو ظبي، الذراع الحكومية لنفوذ الإمارات في قطاع البترول والغاز في شمال أفريقيا عبر شراكات مع كبريات شركات الطاقة العالمية وأبرزها «إيني»، والتي وَصَفَها موقع «أفريكا إنتيليجنس» بأنها رافعة النفوذ السياسي الإماراتي في القارّة. وضَخّ «صندوق أبو ظبي للتنمية»، في العقد الفائت، 1.3 بليون دولار لتمويل 90 مشروعاً في 65 دولة، من بينها سبع دول أفريقية (مالي، سيشل، توجو، ليبيريا، الصومال - ولاية أرض الصومال، السودان والمالديف)[70].

ب- الاستثمار في آسيا الوسطي

ترى الإمارات أن هناك فرصة لوضع نفسها في مكانة راسخة في مستقبل آسيا الوسطى، استنادا إلى استراتيجيات لتحقيق أهداف جيوسياسية أساسية تناسب رؤية أبوظبي وتشمل هذه الأهداف الاستثمار في كازاخستان وتركمانستان، وهما دولتان رئيسيتان لهما موانئ على بحر قزوين ما يجعلهما دولتان بالنسبة للممرات الإقليمية التجارية، وإضافة إلى ذلك، تسعى أبوظبي إلى تحقيق عائد سياسي لاستثماراتهما في آسيا الوسطى من خلال جذب تلك الدول للوقوف في صف دول الخليج ضد إيران مع الحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا.

وأكد وزير الطاقة والبنية التحتية الإماراتي سهيل المزروعي، أن الإمارات تستهدف فتح طرق تجارية جديدة لتعزيز قدرة وترابط القطاعات اللوجستية داخل آسيا الوسطى وهو الأمر الذي سيساعد على دفع عجلة النمو الاقتصادي وتعزيز العلاقات المشتركة.[71]

وفي 5 أغسطس 2022، أعلنت الإمارات اعتزامها استثمار مليار دولار في الشركات الباكستانية بمختلف القطاعات الاقتصادية والاستثمارية، وتعتبر باكستان من بين أهم 25 دولة شريكة تجارياً واستراتيجياً للإمارات، فيما تعتبر أبوظبي ثاني أكبر شريك لباكستان. كما أن الإمارات تعد واحدة من أهم 5 وجهات تصدير لباكستان، والأولى في العالم العربي. في حين أن 10% من إجمالي واردات باكستان من العالم تأتي من الإمارات[72].

وفي يونيو 2022 وقعت حكومة طالبان المؤقتة في أفغانستان، اتفاقية مع دولة الإمارات بشأن تقديم خدمات أمنية لأربعة مطارات في البلاد، وذكرت وزارة النقل والطيران التابعة لحكومة طالبان، في بيان الجمعة، أنها وقعت اتفاقية مع شركة "غاك" الإماراتية، لتقديم الخدمات الأمنية لمطارات كابل وقندهار وهرات ومزار شريف[73].

وترى الإمارات كازاخستان كوجهة رئيسية لاستراتيجية البلاد الاستثمارية، ومع وجود أكثر من 200 شركة إماراتية تعمل في كازاخستان، فإن الروابط التجارية تصاحب العلاقات السياسية الممتازة بين البلدين.

ففي 2011 وقعت الإمارات اتفاقية للحصول على حصة 24.5% في حقل بحري في بحر قزوين، وفي 2020، وافقت شركة مبادلة الإماراتية للتنمية على بناء مجمع كيميائي بمليارات الدولارات في منطقة أتيراو في كازاخستان.

رؤية الإمارات للوصول إلى الموانئ كجزء من محور عالمي تبقى حاضرة هنا أيضا، ويمكن رؤيتها في استحواذ دبي العالمية على منطقتين اقتصاديتين خاصتين في كازاخستان على بحر قزوين. وقد اشترت موانئ دبي العالمية حصة بقيمة 51 في المئة في منطقة خورغوس الاقتصادية الخاصة ولها مساهمة بنسبة 49% في منطقة أكتاو التي منحت حقوق الإدارة والحوكمة لموانئ دبي العالمية، وتعتبر كازاخستان حلقة مهمة في طريق الحرير الجديد[74].

وقال ماديار مينيليكوف سفير كازاخستان بالإمارات يبلغ عدد الشركات الإماراتية في كازاخستان 350 شركة، والشركات الكازاخية في الإمارات أكثر من 200 شركة، وأشار إلى أنه تم توقيع 3 اتفاقيات بين صندوق الثروة السيادي لكازاخستان والشركة «القابضة»، وبموجب الاتفاقية، ستستثمر «القابضة» والشركات التابعة لمحفظة أعمالها ما يصل إلى 6 مليارات دولار في مشاريع الطاقة داخل كازاخستان..[75]

يشبه نهج الإمارات تجاه تركمانستان نهجها تجاه كازاخستان حيث تستثمر أبوظبي في مشاريع البنية التحتية مع التركيز على دور "عشق أباد" المستقبلي كمصدر حقيقي للغاز الطبيعي عن طريق خط أنابيب «TAPI»، وبالإضافة إلى ذلك، بدأت أبوظبي في تنفيذ رؤية الدفاع والأمن في تركمانستان على غرار سياستها الخارجية في اليمن والقرن الأفريقي.

وفي العام الماضي قامت شركة توباز للطاقة والملاحة التي تتخذ من دبي مقرا لها بتزويد السفن لشركة دراغون أويل، وهي شريك رئيسي لشركة بترول الإمارات الوطنية (اينوك)، لتطوير موارد هيدروكربون بحرية في تركمانستان وتبلغ قيمة العقد 100 مليون دولار لمدة خمس سنوات، وتقوم شركة «توباز» أيضا بتشغيل السفن في منطقة تشليكن التي تتكون من حقلي نفط وغاز بحريين، وفي يوليو 2022 وقعت "دراجون أويل" اتفاقية تجديد شراكة الإنتاج في دولة تركمانستان مع شركة "تركمان نفط" الحكومية والتي تنتهي في مايو 2025 وذلك لمدة 10 سنوات إضافية بقيمة مليار دولار[76].  وفي يونيو2021، وقع صندوق أبوظبي للتنمية اتفاقيتين مع حكومة تركمانستان، الأولى لتمويل إنشاء مطار في مدينة جبيل في منطقة البلقان، بتكلفة تبلغ حوالي 275 مليون درهم، والثانية تمويل إنشاء محطة للطاقة الهجينة بتكلفة تبلغ حوالي 92 مليون درهم [77].

وفي الأشهر القليلة الماضية، سرعت الإمارات سياستها الاستثمارية نحو تركمانستان بطريقة استراتيجية. وزار الرئيس التركماني «قربان قولي بيردي محمدوف» أبوظبي ووقع اتفاقات مهمة مع «مبادلة» للاستثمار في البنية التحتية في عشق أباد. والأهم من ذلك، أن مبادلة وقعت اتفاقيات سرية مع شركة تركمنجاز للتعاون في إنتاج الغاز في تركمانستان.

ومن وجهة النظر الإماراتية، تحظى تركمانستان بأهمية بسبب احتياطاتها الهائلة من الغاز الطبيعي وموقعها الجيوسياسي الحساس شمال إيران كما أن الحدود المشتركة بين تركمانستان وأفغانستان هي أيضا على رادار أبوظبي نظرا لوقوعها في فضاء معرض للعنف.

سابعاً: أهم التحديات

بالرغم من حجم الاستثمارات الناجحة التي نفذتها الإمارات خلال الفترة الماضية إلا أنها تواجه تحديات عديدة أهمها: -

تحديات والمنافسة الإقليمية

1- في ظل التنافس الإقليمي والسعي للهيمنة الإقليمية تواجه الإمارات تحديات ومنافسة عديدة خاصة من السعودية وقطر اللتان  تحذوان حذو الإمارات في انتهاج سياسة توسيع الاستثمارات الخارجية وجذبها داخلياً ومنافستها "وإن كانت محدودة حتى الآن" في دبلوماسية المضائق.

2- المتغيرات السياسية في ظل بيئة إقليمية متغيرة كالرمال المتحركة تواجه الاستثمارات الإماراتية خطر تلك المتغيرات، على سبيل المثال واجهت الامارات تحديات عديدة أدت إلى فسخ بعض التعاقدات الاستثمارية، ففي الصومال؛ فسخت الحكومة اتفاقية الشراكة الثلاثية المبرمة في دبي بالإمارات بين موانئ دبي العالمية وأرض الصومال والحكومة الإثيوبية لتشغيل ميناء بربرة. واعتبرت الحكومة المركزية أن هذه الاتفاقية باطلة لكونها لم تتم عبر بوابة الحكومة الاتحادية الصومالية، واتهمت الحكومة الصومالية شركة موانئ دبي بتهديد وحدة أراضيها، بإبرامها عقد شراكة مع حكومة أرض الصومال ذات النزعة الانفصالية، ولكن مع عودة انتخاب الرئيس الصومالي الجديد حسن شيخ محمود يبدو أن الأمور تتجه لصالح الإمارات، ويبدو هذا من قراره بتسليم 9.6 مليون دولار، صادرها نظام الرئيس السابق محمد عبدالله فرماجو عام 2018.

3- المعارضة المجتمعية تواجه الاستثمارات الإماراتية رفض مجتمعي نظراً لأهدافها السياسية وهناك أمثلة عديدة على ذلك ففي عام 2006، أُجبرت الإدارة الأمريكية موانئ دبي العالمية المملوكة لدبي على التراجع عن شراء تمت الموافقة عليه لعقود إدارة الموانئ في ستة موانئ بحرية أمريكية كبرى بعد أن عارض الكونجرس الأمريكي الصفقة.

وفي إسرائيل وبالرغم من ارتفاع العلاقات بين الدولتين إلا أنه ظهر قلق في إسرائيل من الاستثمارات الإماراتية، لاسيما في قطاع الغاز، وسط حديث عن تداعيات سلبية أمنية محتملة لهذه الاستثمارات، وكان قرار المحكمة العليا الذي يعطل المضي قدما في مشروع نقل النفط الخليجي إلى أوروبا عبر ميناء إيلات ثم برًا عبر ميناء عسقلان على البحر المتوسط، وهو المشروع المثير للجدل بالنظر للخطر الذي يشكله على الشعاب المرجانية في شمال البحر الأحمر، نتاج هذه المخاوف.

وفي جيبوتي؛ أنهت حكومة البلاد عقد شراكة مع موانئ دبي، معتبرة أن عقد الشراكة معها تضمن بنودًا وشروطًا مجحفة، وأن حصص التملك المتفق عليها لم تتطابق مع نِسب توزيع الأرباح.

كما اتهمت منظمات مدنية في الكونغو الديمقراطية حكومة بلادها بتلقيها رشى من شركة موانئ دبي، بغية منحها مشروع بناء ميناء في المياه الإقليمية بالكونغو الديمقراطية تبلغ تكلفته مليار دولار أميركي.

كما تواجه الاستثمارات الإماراتية في آسيا الوسطى مخاطر عديدة فالمنطقة مضطربة أمنياً وتعاني من انقلابات، وبلدان تصنف بكونها ديكتاتورية وهو ما يعرض الاستثمارات الإماراتية للخطر.

ثامناً: نتائج الدراسة

خلصت الدراسة إلى عدة نتائج أهمها:

1- اتجاه الامارات للاستثمار في الآونة الأخيرة بكثرة والتركيز على الاقتصاد لتفادي الخسائر الاقتصادية والسياسية من المرحلة السابقة التي انتهجت فيها التدخلات الخشنة.

2- تتعدد الأهداف من الاستثمارات تبعاً لكل دولة ومدى قدر الاستفادة منها فهناك استثمارات اقتصادية بحتة وأخرى للهيمنة السياسية وثالثة لتأسيس للوبي سياسي يخدم المصالح الإماراتية

3- التوظيف السياسي للاستثمارات يضعها تحت ضغط الظروف السياسية المتغيرة والتي قد يهدد تلك الاستثمارات.

5- يُتوقع أن ينحسر انتشار الإمارات على مستوى أفريقيا نتيجة عدة عوامل من أبرزها غياب إستراتيجية واعية موجهة لأفريقيا، وتحديات السياسات وإستراتيجيات التعامل مع البيئة الأفريقية المتغيرة.

6- تواجه الإمارات تحديات أخرى تأتي على رأسها المنافسة الشرسة، فالموانئ الأفريقية على سبيل المثال أصبحت وجهة استثمارية محببة للكثير من المستثمرين، ورغم أنها لا تمثل -إلى حد الساعة- سوى 3% من حجم التجارة الدولية العالمية؛ فإن الاهتمام بها يتزايد مع الوقت باعتبار تزايد الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية للقارة الأفريقية

7- تواجه الاستثمارات الإماراتية في آسيا الوسطى مخاطر عدة فالمنطقة مضطربة أمنياً وتعاني من انقلابات، وبلدان تصنف بكونها ديكتاتورية. ومعظم علاقة الدول من خارج جوارها علاقة متعلقة بالأمن القومي، كما أنها ستواجه منافسة شديدة من تركيا وإيران والتي لديها نفوذ قوي هناك.

8- من المتوقع أن تزيد الإمارات استثماراتها في دول على حافة الهاوية الاقتصادية مثل مصر وتونس واليمن لتحقيق المزيد من الهيمنة والسيطرة.

9- وانتهجت الامارات الاستثمارات الخارجية منذ بداية مبكرة من تاريخها إلا أن تلك الاستثمارات كانت بهدف توثيق العلاقات، إلا أنه مع الألفية الجديدة زادت تلك الاستثمارات بشكل كبير وتعددت أهدافها رغبة في مزيد من الهيمنة الإقليمية والدولية.

10 - تعتمد معظم الاستثمارات الخارجية على أموال أبوظبي ومؤسساتها وهو مايُضعف الاتحاد ويجعله تحت سيطرة وهيمنة كاملة من أبوظبي.

الخاتمة

في ظل متغيرات دولية وإقليمية عدة سعت الإمارات لتوظيف فوائضها النفطية في تحقيق المزيد من الهيمنة الإقليمية واستثمرت الإمارات بشكل كبير في النهوض وتطوير اقتصادها كما أنّها سعت أيضا للحصول على نفوذ سياسي إقليمي، في مرحلة فقدت فيها قوى إقليمية تقليدية مثل مصر والعراق وسوريا هذا الدور لصالح دول الخليج الغنية، واستطاعت الامارات تحقيق انتشارات عديدة من خلال استخدام اقتصادها فسيطرت على العديد من الموانئ ونقاط التأثير الاقتصادي والسياسي في العديد من الدول.

وفي فترة ما بعد جائحة فيروس كورونا وتداعياتها الاقتصادية، تحاول الإمارات المشاركة في إنشاء آليات استراتيجية للتحديات الجديدة على المستوى العالمي، وهو مسار من شأنه أن يخلق فرصاً جديدة لتعزيز دور الإمارات ومكانتها في العالم، فتستخدم قوتها الديبلوماسية والاقتصادية من أجل أغراض جيوسياسية. كما تحرص على تنويع اتفاقيات الدفاع والأمن الخاصة بها، ولكن بالطبع تواجه هذه الاستثمارات تحديات عديدة أهمها التوظيف السياسي لتلك الاستثمارات والتي قد تواجه بالطبع متغيرات إقليمية ودولية ومنافسة عديدة ومعارضة سواء محلية أو دولية.

المزيد من دراسات وبحوث